Home French اتصلوا بنا سجل الزوار

الدعوة الرهبانية

رهبنة الوردية المقدسة

 

تعليق الأب مراد مجلع على رسالة قداسة البابا

 
 

لرسالة الرعائية "الحياة المكرسة"
تاريخ الحياة الرهبانية: الرسالة الرعائية "الحياة المكرسة"
 
 L'Esortazione Apostolica Post sinodale "Vita Consacrata"
 
مقدمة عامة:
 في آواخر مارس في عام ١٩٩٦، أصدر البابا يوحنا بولس الثاني الرسالة الرعائية التي طال انتظارها، خاصة بعد إنتهاء أعمال سينودس الأساقفة في أكتوبر ١٩٩٤، تحت عنوان "الحياة المكرسة"، تشكل هذه الرسالة محطة الوصول لطريق طويل دام ثلاثون عامًا بدًأ مع أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني.
 
 رسالة البابا لا تهدف إلى وصف الحياة المكرسة، خاصة بعد التغيرات التي تعرضت لها بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكنها ذات طابع متسقبلي، بمعنى المساهمة التي ستقدمها الحياة المكرسة في بناء ملكوت السموات، ولهذا تُعد الرسالة، من تاريخ إصدارها، نقطة إلتقاء إلزامية للتعرف على النواحي الأساسية والمُشكلة للحياة المكرسة، مثل: إتباع المسيح، المشورات الإنجيلية، الحياة الجماعية ومقتضيات الحياة المكرسة وبعدها الرسولي.
 
 قبل التعرض التفصيلي للرسالة من المهم توضيح عنوانها: الرسالة قبل كل شيء هي رسالة تأييد للمكرسين "esortazione". يُعبر البابا بطريقة واضحة عن تأييده للمكرسين متسخدمًا كلمة "Paraklesis" والتي تعنى "شدد من آذره" وهي نفس الكلمة المستخدمة في أول رسالة في تاريخ الكنيسة والصادرة من مجمع أورشليم "فلما صُرفوا انحدروا إلى أنطاكية، فجمعوا الجماعة وسلموا إليهم الرسالة فقرأُوها ففرحوا بما فيها من تأييد" (أع ١٥/ ٣٠-٣١). رسالة البابا ذا طابع رعائي روحي، وليس ذات طابع عقائدي أو لاهوتي. هي رسالة "Apostolica"، أي رعائية موجهة إلى الكنيسة جمعاء وليس فقط لفئة المكرسين. وفي النهاية تأتي الرسالة كخُلاصة لإعداد طويل استمر ثلاثون عامًا وخُتم بالمجمع المقدس للحياةالمكرسة في ١٩٩٤ ولهذا فإن الرسالة "Post sinodale".
 
 تعرضت الحياة المكرسة إلى أزمنة عنيفة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوص هويتها ورسالتها المحددة داخل الكنيسة وعن السبب في تميزها عن التكريس العام للمسيحي من خلال سر المعمودية. جاءت الرسالة لُتعيد للحياة المكرسة مكانها داخل الكنيسة، خاصة بعد تركيز البابا على أن الإرادة الإلهية تعد السبب المباشر لنشأة الحياة المكرسة.
 
 البهاء الإلهي ليسوع المسيح
 الموضوع الرئيسي للرسالة وقد قدمه البابا متسندًا على تعاليم آباء الكنيسة وخاصة الشرقيون منهم والذين جعلوا من حياة المسيح النموذج والمثل والقدوة لحياة المُكرس. الهدف النهائي للتكريس هو اتباع المسيح والعيش في حياة مطابقة لحياته، أي يصبح المُكرس ابن في الإبن المتجسد ويرتبط مع الآب في علاقة بنوءة شبيهة بعلاقة المسيح مع أبيه السماوي.
 
 المقصود بالبهاء الإلهي ليسوع المسيح هو "تجلي" المكرس على مثل تجلي يسوع المسيح، أي أن المشاركة في بشرية المسيح تجعل المكرس يشترك أيضًا في لاهوته متحدًا بذلك مع الثالوت بأكمله نظرًا لإتحاده بالابن. توضح الرسالة أهمية التأمل المستمر في "الأكثر بهاءًا بين بنى البشر" للمكرس حتى يتمكن من أن يعكس شخص وفكر وقول وفعل المسيح في المحيط الذي يعيش فيه. التركيز على هذه الحقيقة تَجعل المُكرس يرى أيضًا في كل شخص مسيحيًا آخر، خاصة في الفقراء والمحتاجين. في خدمة هؤلاء هي خدمة لشخص يسوع المسيح ذاته. نداء البابا للمُكَرسين بأن يكشفوا عن جهة المسيح الحقيقي الذي يكاد يكون مشوهًا بسبب قوى الشر والظلم الاجتماعي يُعد من أهم موضوعات الرسالة على الإطلاق وهذا يتطلب من كل المُكَرسين العمل معا لبناء الملكوت وتحقيق السلام الاجتماعي.
 
 الايقونات الببلية
 استخدم البابا مجموعة من الأيقونات الببلية ليعكس حقيقة الحياة المُكَرسة. ففي الجزء الأول من الرسالة يورد أيقونة تجلي المسيح (يو ١٤/١٦) وذلك لتوضيح أن تجلي المسيح هو الأساس الذي تقوم عليه الحياةالمكرسة ولإظهار الأبعاد الأساسية المُشكلة لها. تأمل الأيقونة يساعد المكرس في التخلي عن كل شيء في سبيل تكريس ذاته ليسوع المسيح. فالعيش مثله ومعه وله يُمكن المكرس من أن يصبح ابنًا للآب السماوى.
 
 الأيقونة الثانية هي أيقونة معركة يعقوب مع ملاك الرب لتعكس أن الحياة مع المسيح تتطلب اجتياز الكثير من الصعوبات وتحمل الكثير من الآلام. على المكرس أن يدفع ثمن اختياره هذا، مثلما فعلت العذراء مريم، والثمن المدفوع هي حياة ملؤها الاتضاع والفقر والصراع مع حياة الشر.
 
 في الجزء الثالث، يقدم البابا أيقونة "غسيل الأرجل" ليبرهن على نوعية الخدمة المقدمة من المكرسين للكنيسة جمعاء.
 
 كيفية قراءة الرسالة
 هناك طرق مختلفة تساعد على قراءة الرسالة ومن الممكن تسميتها "مفاتيح للقراءة" حيث كل منهما يغطي جانبًا أساسيًا للحياة المكرسة هذه المفاتيح تشمل الجوانب التالية:
 
 الجانب القانوني
 وهو الجانب المتعلق بالنواحي القانونية والتنظيمية للرسالة، بمعنى الجوانب المتعلقة بهوية الحياة المكرسة وطبيعة رسالتها داخل الكنيسة. التوقف عند هذا الجانب يُضعف إمكانية الفهم الشامل للرسالة ورغم هذا فقد حَملت الرسالة بعض المفاهيم القانونية والنظيمية الجديدة للحياة المكرسة مثل: اشتراك جميع المكرسين التابعيين للرهبنة الواحدة في الكاريزما الخاصة بالمؤسس، روحانية العلمانيين ورسالتهم داخل الكنيسة (ب ١٥٤)، والتوجه الجديد لطبيعة حياة ورسالة المرأة المكرسة في الكنيسة بشكل عام والحياة الرهبانية بشكل خاص (ب ٥٧؛ ٥٩)، والاهتمام بالأشكال الجديدة للحياة الإنجيلية (ب١٢).
 
 الجانب التاريخي
 المقصود بالجانب التاريخي هو الجانب المتعلق بكيفية ظهور الرسالة ومراحلها الأساسية والتي بدأت مع صدور "Lineamenta" عن مجلس الأساقفة في الكنيسة مرفق معها استطلاعًا للرأي حول الحياة المكرسة، طبيعتها ورسالتها..الخ. بعد وصول الآراء والدراسات من كافة المهتمين بالحياة المكرسة وم مختلف المنظمات الرهبانية تمت صياغة ورقة عمل "Instrumentum Laboris". ورقة العمل هذه كانت الأساس الذي م أجله عُقد السينودس العام للأساقفة حول الحياة المكرسة في أكتوبر ١٩٩٤. يعد السينودس المرحلة الثالثة من مراحل اصدار الرسالة وفي نهاية أعماله قَدم للبابا ما يسمى ب "Ptopositiones" أي مقترحات آباء السينودس وكافة الدراسات والمناقشات التي تم التعرض لها. أما المرحلة الأخيرة فكانت تشكيل مجموعة عمل لمساعدة البابا، وإبداء المشورة له بشأن اصدار الرسالة والجدير بالاشارة هنا أن ورقة العمل كانت تعالج كافة الجوانب المُشكلة للحياة المكرسة ولعل أهمها البعد اللاهوتي لها التحديات القائمة والمنتظرة أمامها والحاجة إلى أساليب جديدة لمعالجة آثار هذه التحديات.
 
 الجانب اللاهوتي
 الرسالة، كما سبق الاشارة، لا تقدم لاهوتًا جديدًا للحياة المكرسة أكثر مما قدمه المجمع الفاتيكاني الثاني ولكنها تقدم قراءة جديدة لهذا اللاهوت من شأنها إعادة اكتشاف وصياغة وتعميق للجوانب اللاهوتية والتي سبق وقدمها المجمع مثل: التكريس، والمشورات الإنجيلية، الحياة الجماعية، الرسالة الرعوية، البعد الكنسي، البعد الكاريزماتيكي والبعد الإسكاتولوجي. الرسالة توضح العلاقة بين التكريس الرهباني وغيرها من الدعوات الموجودة داخل الكنيسة مع التركيز على العناصر الخاصة والمُشكلة لدعوة التكريس الرهباني مثل: النذور الرهبانية، الكاريزما الخاصة، الحياة الجماعية. تتعرض الرسالة أيضًا للعلاقة بين التكريس العام والمتمثل في سر المعمودية والتكريس الخاص "الرهباني" والمعتمد على هوية خاصة للمكرس. بشأن الموضوع الأخير لم تنزلق الرسالة لتفاصيل هذا الاختلاف وذلك لتعرض المجمع الفاتيكاني الثاني له بالتفصيل.
 
 الجانب الكنسي
 بخصوص هذ الجانب لم تضف الرسالة شيئًا عما قدمه المجمع الفاتيكاني الثاني. الحياة المكرسة إذن لا تتبع التدرج الكنسي ولكنها جزء لا يتجزأ من الكنيسة. هي نظام بذاته مثل الاكليروس والعمانيين (ب٣١) حيث تُشكل كل فئة جزءً من سر المسيح القائم من الموت. تُركز الرسالة على أن الحياة الجماعية للمكرسين تُشكل نموذجًا وقدوة للاتحاد داخل الكنيسة. فمن خلال المشاركة في الحياة يمكن التغلب على الحواجز التي تفصل الأفراد والهيئات داخل الكنيسة. الرسالة تحث بالتالي على ضرورة التنسيق والعمل المشترك بين مختلف الفئات في الكنيسة مع ضرورة الحفاظ على الهوية الخاصة بكل فئة.
 
 الجانب الرسولي
 يتعلق هذا الجانب بأهمية ايجاد أساليب جديدة للتبشير برسالة المسيح بحيث تكون ملائمة لإنسان اليوم. الرسالة توضح هذا الجانب عن طريق الاشارة للتحديات في العالم المعاصر والفقراء الجدد داخل الكنيسة. البابا يحث على ضرورة تبشير كافة هذه الفئات حتى تصل رسالة المسيح الخلاصية إلى كل إنسان. الرسالة أيضًا لا تتجاهل أهمية كل من الحوار المسكوني مع الطوائف المسيحية الآخرى والحوار بين الأديان وضرورة انتشار المكرسين في أرجاء المعمورة كلها لضمان وصول صوت الكنيسة إلى جميع البشر.
 
 الجانب الروحي
 أهم جوانب الرسالة وعلى ضوء هذا الجانب يجب أن تتم قراءة الجوانب الآخرى والتي سبق التعرض لها. أهمية هذا الجانب ترجع إلى أن الحياة المكرسة تعكس قداسة الكنيسة ككل ودرجة نموها في حياة الإيمان والرجاء والمحبة (ب ٩٣). بالإضافة إلى الأساليب الضرورية للوصول إلى القداسة والتي أوردتها الرسالة (ب٩٤؛ ٩٥) تُعدد أيضًا كافة العناصر لروحانية جديدة معتمدة على المشورات الإنجيلية والحياة الجماعية تعبيرًا عن حياة الإيمان والرجاء والمحبة. عمق هذه الروحانية يعتمد على حياة تجديد مستمر بالدرجة التي تُمكنها من القراءة الجيدة لعلامات الأزمنة والتحديات المرتبطة بها.
 
 روحانية تمتاز بحرية إنجيلية قائمة على هبة الروح القدس ولأجل تدشين ملكوت السموات في واقعنا المعاصر. مكرسين ذو حرية داخلية واستعداد للدفاع عن حقوق الضعفاء والمنبوذين وتحقيق العدل والسلام. في هذا المضمار تقدم الرسالة مريم العذراء كنموذجًا للحياة المكرسة والتي كانت قريبة لاحتياجات الأخرين.
 
 ملخص الرسالة
 تعطي المقدمة (ب ١-١٣) فكرة عامة عن الحياة المكرسة في أشكالها المختلفة، القديمة منها والحديثة كعطية مجانية من الله لكنيسته. البند الأخير من هذه المقدمة يَلقي الضوء على الهدف من الرسالة والسبب في إصدارها.
 
 تتعرض المقدمة لما هو عام من أشكال الحياة المكرسة بدون تفصيل ولعل السبب في هذا يرجع إلى هدف الرسالة، فالبابا لا يرغب في سرد تاريخ وتطور الحياة المكرسة عبر الزمن بل في إلقاء الضوء على ماهيتها ومدى مساهمتها في بناء ملكوت السموات.
 
 يلي هذه المقدمة الأقسام الثلاثة الرئيسية للرسالة. ولكل مهما خاصية مميزة وهم –على الترتيب – التكريس، الحياة الجماعية، رسالة الحياة المكرسة. قد عَنّون البابا هذه الأقسام بثلاث عبارات ذات معنى عميق مرتبط بموضوع كل منهم وهي:
 
 − Canfossio Trinitatis (ب ١٤- ٤٠) ويعرض هذا القسم من الرسالة المشكلات اللاهوتية المتعلقة بالحياة المكرسة. تلك المشكلات يجب أن تُقرأ وتُتخذ كموضوعات تأمل وتفكير من قِبل المكرسين، فالمقصود من التعرض لها ليس تقديم فكر لاهوتي جديد، والذي تم التعرض له بالتفصيل في المجمع الفاتيكاني الثاني، بل إعادة التأمل والتعمق في لاهوت الحياة المكرسة الموجود بالفعل داخل الكنيسة. هدف البابا إذن من التعرض للمشكلات اللاهوتية للحياة المكرسة هو إعادة التأمل في هذا اللاهوت إلى الحد الذي يصبح صلاةً للمكرس مثلما كان يفعل آباء الكنيسة الشرقية. ففي بند (٢٠) تقدم الرسالة رائعة سمعان اللاهوتي والذي يرى جوهر المشورات الإنجيلية في إطار الثالوث الأقدس وذلك بالاشتراك في حياة الابن.
 
 − Signum Fraternitatis (ب٤١- ٧١). يُعد القسم الثاني من الرسالة وفيه يتعرض البابا إلى المشكلات العملية للحياة المكرسة في علاقتها بالكنيسة معطيًا حلولًا لها تتنوع ما بين الحلول التقليدية والجديدة والتي ظهرت في سينودس الأساقفة. هنا يجب الإشارة إلى أن الكثير من هذه المشكلات تم التعرض لها سواء في مناقشات سينودس الأساقفة أو قبل إنعقاده مثل موضوع الحياة الأخوية داخل الجماعة المكرسة، الذي صدر عنه ملف خاص قبل شهور من إنعقاد السينودس ولهذا فعند التعرض لهذا الموضوع تُحيل الرسالة إلى هذا الملف، وعند تعرضنا التفصيلي لهذا القسم سنذكر هذه الاستشهادات في حينها.
 
 − Servitum Caritatis (ب ٧٢- ١٠٣). في هذا القسم توحد الرسالة بين لاهوت الحياة المكرسة ورسالتها في العالم المعاصر. القسم ذا طابع مستقبلي لأنه لم يتعرض فقط للتحديات المعاصرة لرسالة الحياة المكرسة، بل أيضا المستقبلية منها وعلى كيفية مواجهة هذه التحديدات من قِبل المكرسين.
 
 التوجه لكل إنسان "ad gentes" والطرق الجديدة لتقديم البشارة وواجب المكرسين تجاه فقراء اليوم. في هذا القسم تهتم الكنيسة بتكوين وعي ثقافي لدي المكرسيين باحتياجات عالم اليوم وتحدياته مع التركيز على أهمية وسائل الاتصال الحديثة في هذا المضمار. قدمت الرسالة حلولًا لكيفية تحقيق هذا الوعى في إطار المنظومة العامة للكنيسة.
 
 أيقونة دهن يسوع بالطيب. يقدم البابا أيقونة بيت عانيا كإجابة لكافة التساؤلات المطروحة بشأن الحياة المكرسة والتي تعددت قبل انعقاد سينودس الأساقفة. ثم يطرح البابا تساؤلا بشأن التكريس الشامل والخاص. خاتما الرسالة بصلاة للثالوث الأقدس وللعذراء مريم مقدما أياها كنموذج لماهية الحياة المكرسة وروحانياتها.
 
 مشكلة الانماط الجديدة للحياة المكرسة والإنجيلية
 قبل التعرض التفصيلي لأجزاء الرسالة من الأفضل التوقف عند مشكلة أساسية كانت محورًا للاهتمام والمنافشة داخل أروقة سينودس الأساقفة وظهرت جليًا في رسالة الحياة المكرسة. هذه المشكلة تتعلق بالانماط الجديدة للحياة المكرسة والإنجيلية والتي ظهرت مؤخرًا في أنحاء كثيرة من العالم والتي يجمعها خصائص مشتركة مثل التطلع إلى أنظمة الرهبنة في القرون الأولى للمسيحية. أغلب هذه الأنماط تجمع بين المكرسين والمكرسات في نطام واحد، بمعنى أن يعيش الرجال والنساء معاً في منزلٍ واحد، متزوجين وغير متزوجين، تابعين للاكليروس أو علمانيين، مكرسين ومكرسات. تتيح هذه الأنظمة للكثير من الراغبين في تكريس ذواتهم وتمنعهم ظروفهم الحياتية والعملية – كالزواج مثلا – من التكريس الشامل وفقًا لأنظمة الحياة المكرسة المعتادة "التقليدية" فيكرسون حياتهم من خلال هذه الأنظمة.
 
 هذه المشكلة أصبحت أكتر تعقيدًا قبل انعقاد سينودس الأساقفة مباشرة وخاصة بعد مناداته قول البعض أن هذا النمط من الحياة هو جدير بالألفية الثالثة اعتمادًا على أن الألفية الأولى كانت حقبة الحياة النسكية، فظهرت فيها الرهبنة التأملية أو القائمة على التكريس لحياة الصلاة والتأمل. في حين كانت الألفية الثانية حقبة الحياة الارسالية فشهدت الكنيسة ظهور الكثير من الرهبانيات التي تجمعها كاريزما الارساليات والتبشير. لكل هذا كان لا بد للسينودس إبداء رأي الكنيسة الواضح بخصوص هذا النمط من الحياة وتحديد ما إذا كان يطلق عليها حياة تكريس أم لا.
 
 الرسالة تتعرض لهذا المشكلة في بند ٦٢ ملخصة آراء سينودس الأساقفة وهي: القول بوجود حياة مكرسة ينطبق فقط عندما تكون هناك عذرية أو بتولية مكرسة. أما في حالة وجود متزوجين يمكن الحديث فقط عن حياة إنجيلية وليس حياة مكرسة. فالأشكال الجديدة إذن لا تخل محل الحياة المكرسة.
 
 من المهم أيضاً التفرقة بين الجانب التاريخي. وماهية الحياة المكرسة في حد ذاتها بصفتها جزء من الكنيسة. فالحياة المكرسة في حد ذاتها لا يمكن أن تتغير في حين أن الجانب التاريخي قابل للتغير بتغيير الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية المحيطة بالحياة المكرسة. الحياة النسكية إذا كانت تميز الحياة المكرسة في الألفية الأولى لم تتغير ولم تتبدل إلى حياة أخرى، بل ظروف الكنيسة والمجتمعات استلزم تغييرًا في جانبها التاريخي ولكن ماهيتها كحياة تكريسية إلى الله والكنيسة لم يدخل عليها تغيير. لهذا فإن التحول إلى الحياة الإرسالية في الألفية الثانية لم يتبعه تغير في هوية الحياة ذاتها ودورها داخل الكنيسة.
 
 
 القسم الأول
 المشكلات اللاهوتية
 في الجزء الأول وبعد عرض أيقونة التجلي مباشرة تتعرض الرسالة إلى أهم المشكلات اللاهوتية وأكثرها تعقيدًا في السنوات الأخيرة مقدمة بذلك تأملاً في لاهوت الحياة المكرسة. حملت السنوات الأخيرة الكثير من التساؤلات اللاهوتية في شأن الحياة المكرسة. هذه التساؤلات لا ترجع فقط إلى اهتمام اللاهوتيين، بل هي حصيلة الخبرة الكنيسية العملية والتي لا يمكن اغفال تأثيرها على إعادة النظر في الكثير من الأفكار اللاهوتية المتعلقة بالحياة المكرسة.
 
 كما هو معروف فإن بداية التفكير اللاهوتي بشأن الحياة المكرسة قد بدأ مع المجمع الفاتيكاني الثاني وكان أهم مظاهر هذا اللاهوت بالطبع علاقة الحياة المكرسة بالفئات الأخرى في الكنيسة مثل الإكليروس والعلمانيين. فمع تنامي مظاهر الديمقراطية في كثير من بلاد العالم وتعاظم الشعور بالمساواة بين أفراد المجتمع الواحد نشأ تيار عام في الكنيسة بضرورة تحقيق هذه المساواة داخل الكنيسة، فلا معنى لتمييز فئة عن فئة، سواء كان تمييزًا متعلقًا بالسلطة المعطاة للإكليروس أو القيم الإنجيلية المتربطة بالمكرسين عن فئة العلمانيين. هكذا ظهرت أهمية تحديد العلاقة بين فئات الكنيسة المختلفة.
 
 أثناء انعقاد سينودس الأساقفة ظهر جليًا كل من التيارين. الأول، الأكثر تقليديًا، حيث يرى بأفضلية المشورات الإنجيلية وخاصة نذر البتولية وبالتالى أفضلية المكرسين على العلمانيين. في حين يرى التيار الثاني عدم جدوى هذا التمييز استنادًا على أن الجميع مشتركين في التكريس العام من خلال سر المعمودية الواحدة. هذا المناخ حث آباء السينودس على إعادة التفكير اللاهوتي بخصوص الموضوعات التالية:
 
 − ما هي الفئة المناسبة لتصنيف الحياة المكرسة ما يميز الحياة المكرسة عن غيرها من فئات الكنيسة
 − البعد النبوي للحياة المكرسة
 − أهمية المشورات الإنجيلية
 − البعد الفصحي- الاسكاتولوجي للحياة المكرسة
 − بطرس الرسول ومريم العذراء
 
 أ. الفئة المناسبة لتصنيف الحياة المكرسة
 بعد المجمع الفاتيكاني الثاني ظهرت عدة تصنيفات للمكرسين، يمكن إجمالها في المسميات التالية:
 
 ١. إتباع المسيح "La Sequela"
 تصنيف دارسوا الكتاب المقدس للمكرسين هو أتباع المسيح. هذا الوصف كان سائدًا في الستينات والملاحظ أن أنصاره كانوا ذو تكوين وثقافة بيبلية. فالمكرس هو تلميذ للمسيح وتابع له، مثل التلاميذ الإثنى عشر، كما هو واضح في نصوص العهد الجديد.
 
 ٢. الكاريزما "Il Carisma"
 وصف لاهوتي السبعينات والذين نظروا للحياة المكرسة في إطارها العام من حيث إنها عطية مجانية من الروح القدس وبالتالي فهي كاريزما لأن الفضل فيها يعود إلى نعمة الروح القدس وليس لمجهود المكرس في حد ذاته.
 
 ٣. التكريس "La Consacrazione"
 الوصف الوراد في دستور نور الأمم للحياة المكرسة. من أنصاره –بالإضافة إلى القانونيين- هناك أيضًا المؤمنين وأن أهم ما يميز هذا النمط من الحياة بكل بساطة كلمة "تكريس" والتي عن طريقها يُكرس الإنسان ذاته لشخص يسوع المسيح.
 
 الرسالة اقترحت حلاً لهذه الثلاثية اللاهوتية لوصف فئة المكرسين. قدم البابا لاهوتًا نابعًا من الثالثوث الأقدس ويشتمل على تلك التصنيفات الثلاثة السابقة. الآب السماوي يخفظ شخصًا ما كخاصة له (في هذه الكلمات عمق معنى التكريس – التصنيف الثالث). الإبن يدعون لإتباعه (إتباع المسيح – التصنيف الأول). والروح القدس يمنح الشخص القدرة على الاستجابة للدعوة متخذًا نمطًا محددًا للحياة (عطية الروح القدس- التصنيف الثاني). ومن هنا يبدأ الإنسان – المختار والمدعو والممنوح لهبة الروح القدس- حياة روحية خاصة وفي اطار تنظيم معين. وهذه الحياة يطلق عليها الحياة المكرسة.
 
 ب. تَّميُز الحياة المكرسة عن باقي فئات الكنيسة الأخرى
 التساؤلات التي طُرحت على سينودس الأساقفة بخصوص علاقة الحياة المكرسة بباقي فئات الكنيسة الأخرى والتي سبق الإشارة إلهيا، دعت آباء السينودس إلى إبداء رأى الكنيسة بطريقة واضحة.
 
 الكاردينال "Daneels" يُشير إلى أن الدساتير المجمعية توضح بصورة لا تدعو للبس على التمييز الموضوعي للحياة المكرسة على باقي الفئات الأخرى في الكنيسة. ولكنه يطرح تساؤلا مهمًا على آباء السينودس قائلا: "إلى من كان نداء يسوع بإتباع المشورات الإنجيلية؟ لكل التلاميذ أم فقط لبعضهم؟ للمتزوجين منهم أم لمن لم يسبق له الزواج؟
 
 تساؤل الكاردينال "Daneels" يُعبِر عن المناخ الذي كان سائدًا أثناء انعقاد سينودس الأساقفة. هناك تباين شديد بين تيارين مختلفين بحيث يصبح من الصعوبة ايجاد نقط التقاء فيما بينهم. التيار الأول –كما سبق الإشارة- مرتبط بتراث الكنيسة والحياة المكرسة والذي يعلو من شأن البتولية كنمط حياة للمكرسين. يستند أنصا هذا التيار على قاعدة التكريس الخاص. أما التيار الثاني فهو يقترب من لاهوت العمانيين حيث يرى أن التكريس العام من خلال المعمودية كافي للوصول للقداسة، في حين يرى التيار الأول في المشورات الإنجيلية بمثابة "نذور" خاصة بالمكرسين، يؤمن أنصار الثاني بانها مُقَّدَمة لكل إنسا مُعمد ومن حق العلماني أن يكون مُكرسًا من خلال مشورات مشابهة. يختلف التيارين، كذلك، في النظر إلى الإتباع الجذري للمسيح والذي وفقا للتيار الأول يُميز الحياة المكرسة، في حين يؤكد التيار الثاني إن كل إنسان مسيحي مُعمد مدعو لإتباع المسيح بصورة جذرية. وعندما يحاول التيار الأول التأكيد على تمييز الحياة المكرسة بالقول بأن المسيح ذاته قد أسسها من خلال نمط حياته العفيف والفقير والمطيع، يرد التيار الثاني مؤكدًا أن الحياة المكرسة لم تعلن عن نفسها إلا في القرن الثالث الميلادي. وحينما يعلن أنصار الأول على أن الحياة المكرسة هي فئة من فئات الكنيسة الأخرى مثل الإكليروس والعلمانيين، يشكك أنصار الثاني في ذلك بالقول إنها فئة ولدت داخل الكنيسة وبالتالي نشأتها ترجع إلى حدث تاريخي-اجتماعي وسياسي وليس إلى سبب إلهي. وأخيرًا يؤكد التيار الأول على تميز الحياة المكرسة نظرًا لأنها تتضمن وعد علني بإتباع المشورات الإنجيلية، يؤكد الآخرون من جانبهم على أن هذا الوعد العلني تأثيرًا قانونيًا وليس لاهوتيًا ولهذا لا معنى لتميز الحياة المكرسة. كل من هذين التيارين كان له صدى واسع أثناء إنعقاد السينودس وللوهلة الأولى ترأى استحالة الوصول إلى نقاط بين التيارين المختلفين ولهذا تم تحويل الأمر برمته إلى البابا لإبداء رأيه في المشكلة. من هذا يُفهم مصدر الإشارة في بند ٣ والذي يصرح فيه البابا عن تعرضه في هذه الرسالة للتفرقة بين التكريس العام بالمعمودية والتكريس الخاص عن طريق المشورات الإنجيلية. إجابة البابا تميل أكثر إلى تحديد هوية الحياة المكرسة ومن خلال هذا التحديد الواضح لطبيعتها يمكن تميزها عن التكريس العام بالمعمودية.
 
 ونعرض في النقاط التالية لتحديدات البابا لهوية الحياة المكرسة والتي من خلالها ندرك الفرق بينها وبين التكريس العام:
 
 ١. التكريس العام بالمعمودية لا يستلزم بالضرورة التحول إلى حياة مكرسة لشخص المسيح.
 
 ٢. الحياة المكرسة تنشأ من دعوة جديدة وخاصة وتتم بفعل عطية جديدة وخاصة من الروح القدس والتي تُكرس الشخص لحياة جديدة مختلفة.
 
 ٣. مضمون التكريس يتركز في تحقيق نمط حياة يسوع المسيح البتول والفقير والمطيع وبهذا المعنى تصبح الحياة المكرسة "Confessio Christi" بمعنى أن يسوع المسيح هو النموذج الأساسي لهذه الحياة، فيسوع أعلن من خلال حياته أن الآب هو كل شيء بالنسبة له فهو مرتبط به بعلاقة حب أبدية (هنا تكمن بتولية المسيح). الآب بالنسبة له كل الغني (فقر المسيح) وأعلن من خلال حياته أنه لا يرغب إلا في تحقيق إرادة أبيه السماوي (الطاعة). المكرس إذن ومن خلال تطابق حياته مع حياة المسيح يعلن إنه مرتبط بعلاقة مع الآب السماوي مثل إرتباط المسيح بأبيه. فهو أبن في الأبن (يسوع وفقا لتعاليم بولس). يعلن المكرس بإرتباطه هذا أن الآب هو كل غناه وإنه لا يرغب إلا في تحقيق مشيئة الله من خلال طاعته الكاملة لرؤسائه "Confessio Patris". هذا الإرتباط لا يمكن تحقيقه إلا من خلال هبة خاصة من الروح القدس والذي يهب من يشاء هذه العطية والتي من خلالها يحقق الشخص اتحاده بيسوع المسيح "Confessio Spiritus Saneti".
 
 ٤. الحياة المكرسة إذن نظهر البعد الإنساني في مخطط الله الخلاصي. هذا البعد مرتبط بحياة يسوع المسيح ذاته والذي عاش فقيرًا، مطيعًا، بتولًا كإنسان. تأسيس الحياة المكرسة يرجع إذن إلى حياة يسوع المسيح ذاته ونمط تواجده على الأرض في نطاق تحقيق رسالته الخلاصية للعالم. وتجسد الكلمة في العالم مختارًا هذا النمط من الحياة يعكس في حد ذاته الإرادة الإلهية في وجوده. إذن تأسيس الحياة المكرسة يرجع إلى نمط حياة يسوع المسيح التاريخي وليس لمجموعة من أقواله وتعاليمه وهي نقطة الخلاف البينة في كلا التيارين السابقين. فالتيار المنادي بعدم جدوى التكريس الخاص استنادًا على أن هذا النمط من الحياة نشأ في القرن الرابع وبالتالي يرجع إلى أسباب تاريخية، سياسية وإقتصادية وليس لسبب إلهي وإلا فلما هذه الفجوة الزمنية بين تأسيس الكنيسة ونشأة الحياة المكرسة. يمكن تفنيده لأن الحياة المكرسة لم تنشأ تفسيرًا لتعاليم المسيح، بل من خلال نمط حياته ذاته مما يدل على الإرادة الإلهية في وجودها منذ لحظة تجسد الكلمة في العالم.
 ٥. تَمّيز الحياة المكرسة إذن يرجع إلى إنها تُظهر النمط المثالي لعيش الحياة الإنسانية من أجل ملكوت السموات وذلك لإختيار يسوع المسيح له دون سائر الأنماط الأخرى في العيش. بهذا يمكن القول أنه لا توجد حياة أكثر كمالًا في عين الله أكثر من هذا النمط من العيش والذي عاشه ابنه الوحيد. المدعو إذن للعيش وفقا له مدعو إذن لحياة تُعد النمط الإلهي لعيش الحياة الإنسانية.
 ٦. الحياة المكرسة والتي تُعيد حياة يسوع المسيح الإنسان على الأرض، تُعد بذلك فئة أساسية من فئات الكنيسة وليس نظام من ضمن الأنظمة المختلفة كما ينادي أنصار التيار الأول. هي تشكل جزءًا أساسيًا في جسد الكنيسة.
 
 الكنيسة تشتمل ثلاث فئات أساسية: الفئة الأولى هي فئة العلمانيين وأهم ما يميزها سر المعمودية. تُعد هذه الفئة هي أساس الكنيسة فهي شعب الله بأكمله. بالإضافة إلى هذه الفئة توجد فئتان تعتمدان على تكريس خاص وهما الإكليروس والحياة المكرسة. ما يميز الإكليروس هي الدرجة الكهنوتية، أما فئة المكرسين فأهم ما يميزها الوعد الرهباني, العلماني يعيش في العالم شهادته المسيحية وايمانه الخاص، الكاهن يقدم عطايا الله لشعبه (الأسرار- الكلمة- المرافقة الرعوية)، أما الحياة المكرسة فتقدم نمط حياة يسوع كجواب الإنسان على عطايا الله وذلك بتكريس ذاته كليًا له.
 
 كل من نوعا التكريس الخاص السابقين: الإكليروس والمكرسين، هو في خدمة الكنيسة ولتحقيق ملكوت السموات على الأرض. إذا كان الرسول بطرس يمثل رجال الإكليروس، أي التكريس الخاص للخدمة الكهنوتية، فإن مريم العذراء بدورها تمثل التكريس الخاص للحياة المكرسة والمتعلق بالمشورات الإنجيلية.
 
 في النهاية يمكن القول بأن تميز الحياة المكرسة ليس معناه تفوقًا أو تبؤ مكانة أعلى من فئتي الإكليروس أو العلمانيين، وإنما هو فقط لتحديدها كفئة مختلفة عن باقي فئات الكنيسة، قائمة على تأسيس المسيح لها بحياته الشخصية ونمط معيشته. في هذا العرض أيضًا يترك البابا الفرصة للمكرسين للتأمل اليومي في حقيقة دعوتهم لهذه الحياة ولهذا لم يقدم لاهوتًا صرفًا للحياة المكرسة، بل أعطى بعدًا روحانيًا أكثر لحقيقة هذا النمط من الحياة مما يشجع على التأمل الشخصي والجماعي من قِبل المكرسين في حقيقة دعوتهم الخاصة.
 
 ج. البعد النبوي للحياة المكرسة
 المشكلة اللاهوتية الثالثة التي تتعرض لها الرسالة خاصة بالبعد النبوي للحياة المكرسة. هذه المشكلة تعرضت لها في بادي الأمر "Lineamenta" ثم نُوقشت بالتفصيل في سينودس الأساقفة حول الحياة المكرسة. تتخلص هذه المشكلة في وجود تيارات لاهوتية قامت بتفسير البعد النبوي للحياة وفقا للظروف السياسية. ففي أمريكا اللاتينية، فُسر البعد النبوي للحياة المكرسة وفقا لأديولوجية سياسية-دينية ضد السلطة الحاكمة رغبةً في الدفاع عن حقوق الفقراء. في حين يُفسر هذا البعد بصورة مختلفة في أمريكا الشمالية وأوروبا. الحياة المكرسة مطالبة بالوقوف ضد الفقر المادي في أمريكا اللاتينية في حين أنها مطالبة بالوقوف ضد الفقر الروحي في أمريكا الشمالية وأوروبا.
 
 رسالة البابا تتعرض إلى كلا النوعين من تفسيرات البعد النبوي للحياة المكرسة وذلك بربطهما معاً في شخصية النبي الثائر إيليا. فالحياة المكرسة يجب أن تكون مثل حياة إيليا النبى مدافعة عن حقوق الله ضد شعب غليظ الرقبة، عنيد وغير وفيّ لوصايا الله، أي ضد الفقر الروحي وتراجع دور الدين في الحياة العامة، كما في أمريكا الشمالية وأوروبا. في الوقت نفسه تقف مدافعة عن حقوق الفقراء والضعفاء كما فعل إيليا ضد آحاب في موضوع كرمة نابوت (بند ٨٤)، أي ضد الفقر المادي المستشري في أمريكا اللاتينية وأفريقيا. لكن البعد النبوي الأساسي للحياة المكرسة هو في دورها في الكنيسة هو في دورها داخل الكنيسة كعلامة للتكريس الكامل لله والبشر. وبهذا تسلك الحياة المكرسة في طريق التضحية والإستشهاد (بند ٨٦)، كذبيحة حية يومية للحياة في المسيح حتى النفس الأخير. والكنيسة ممثلة في شعب الله في حاجة إلى هذه الشهادة الصامتة النبوية للحياة المكرسة وذلك لسهولة إنزلاقه في خضم الحياة المعاصرة والتي تبعده عن القيم الإنجيلية التي تعكسها الحياة المكرسة. إن البعد النبوي إذن يرتكز بصورة أساسية في كيفية عيش هذا النمط من الحياة في المجتمعات المختلفة مقدمة للقيم الإنجيلية والتي تكون غالبًا مناهضة لأسلوب العيش في تلك المجتمعات.
 
 د. أهمية المشورات الإنجيلية
 في البداية، يلزم التنويه إلى أن المشورات الإنجيلية ليست كل الحياة المكرسة ولكنها تُشكل نواتها الأساسية. ووضع المشورات الإنجيلية في المكانة الأولى بالنسبة للمكرسين لا يعنى إطلاقًا التقليل من شأن باقي عناصرها اللاهوتية والروحية.
 
 تتعرض الرسالة كثيرًا للمشورات الإنجيلية ومن خلال زوايا مختلفة إلى الحد الذي يمكن فيه القول بأن الرسالة تقدم لاهوتًا جديدًا، أو أقله منظورًا لاهوتيًا جديدًا لهذه المشورات وهاك بعضًا منه:
 
 ١. المشورات الإنجيلية هي عطية مجانية من الله وليس فقط "وعد" بشري يعلن المكرس من خلاله تكريسه الكالم لله وللكنيسة. ولهذا ليس هناك أدنى تفكير في تَّميز أو علو شأن المكرس عن غيره من أبناء شعب الله بسبب هذه المشورات لأن الله هو الذي يعطي عطاياه المجانية لمن يشاء وليس للمكرس الفضل في ذلك.
 ٢. المشورات الإنجيلية هي تعبير عن نمط حياة يسوع التاريخي، أي حياته كفقير وعفيف ومطيع، ولهذا فأن عيش تلك المشورات بأمانة تجعل المكرس أكثر شبهًا بالمسيح يسوع. المشورات إذن ليس إعلان خارجي للمكرس بالوفاء مدي حياته لهذا الشكل من الحياة ولكنها حياة داخلية تُعد جوهر حياة المكرس ذاته. طريقة تفكير المكرس وسلوكه ينبغى أن تكون على مثال يسوع المسيح. هذه المشورات تعطي للمكرس إمكانية أن يدخل في عمق الثالثوث، لأنه يشارك في طبيعة يسوع المسيح البشرية وطريقة حياته ونمط تفكيره، مما يؤهله للإشتراك في طبيعته اللاهوتية، أي يصبح ابن في الإبن، لله الآب.
 ٣. من الناحية الإرسالية تُعد المشورات الإنجيلية إجابة الكنيسة على الأنماط الحياتية السائدة في مجتمعات اليوم، وخاصة الغربية منها، والتي تعتمد على حضارة المادة والمتعة والاستقلالية، في حين أن المكرس يقدم ذاته كمثل للرجاء المسيحي بالعيش في فقر وعفة وطاعة جاعلًا من الله كل شيء بالنسبة له.
 
 ه. البعد الفصحي والبعد الاسكاتولوجي للحياة المكرسة
 هناك بعدين أساسيين للحياة المكرسة: الأول يرتبط بالفصح والإشتراك في ذبيحة الصليب، أما الثاني فمرتبط بالنظرة المستقبلية والرجاء القائم في قرب مجيء ملكوت السموات. البعد الأخير مرتبط بلازمة القديسين والتي تعكس مدى اشتياقهم لملكوت السموات. ويجب التنويه على أن الرسالة لا تقدم خلاصة لاهوتية لبعدا الحياة المكرسة ولكن تهتم أكثر بتوضيح معنى كل منهما وارتباطه بالعالم المعاصر. ولهذا تتوقف الرسالة عند بعض المفاهيم الخاصة بكل من البعدين السالفين الذكر ويمكن إجمالهم فيما يلي:
 
  البعد الفصحي
 الحياة المكرسة مرتبطة ارتباطًا قويًا بالسر الفصحي، ويظهر هذا في أولى صفحاتها والمتمثلة في عرض أيقونة التجلي. في تلك الأيقونة يظهر جليًا مجد الابن الوحيد، وفي ذات الوقت اعلان الآب السماوي عن عدم تخليه عن ابنه الوحيد في مواجهة الموت على الصليب والذي به يَّكملُ طريق الخلاص. على الصليب تظهر المحبة البتولية ليسوع المسيح والذي عن طريقها يعلن الابن عن تسليم ذاته كجواب لمحبة الله. الحياة المكرسة إذن تجد معناها في إرتباطها بصليب المسيح. ففي الصليب تكمن قوى الشر الموجودة في العالم، ولكن يظهر أيضًا أن الله أقوى من الشر الكامن في نفوس البشر. ولهذا فمن يضع ثقته فيه سينتصر معه. الحياة المكرسة إذن على مثال الابن الوحيد على الصليب فهي تقدم ذاتها كذبيحة لمحبة الله الآب وعطاياه.
 
  البعد الاسكاتولوجي
 
 تتناول الرسالة البعد الاسكاتولوجي في ثلاث نقاط أساسية:
 ١. في البداية يمكن القول بان كل مكرس يحمل في داخله رغبة عارمة لدخول ملكوت السموات والإلتقاء بالله الآب. فإذا كان الرب هو كل شيء في حياة المكرس (ما تتطلبه العفة) فإن رجاؤه يوجد في إمكانية لقاؤه. ولهذا فإن المكرسين طوال تاريخ الحياة المكرسة شبهوا فترة التواجد على الأرض بمثل فترة الخطوبة بين العروس والعريس والتي فيها سيكمل فرح اللقاء في الحياة الأبدية. آباء البرية المصرية يعبرون عن فترة تواجدهم في الحياة كفترة سفر أو انتقال إلى حين الوصول إلى ملكوت السموات. وفي وقتنا المعاصر فإن حالات الاغتراب والقلق التي يعاني منها إنسان اليوم ترجع إلى رغبة قوية في لقاء المطلق، في حين إجابته على هذه الرغبة القوية متضاربة وغير جذرية. تقدم الحياة المكرسة إجابة جذرية من خلال التكريس الكامل بصفة عامة، ونذر العفة بصفة خاصة على تلك الرغبة في لقاء المطلق. فاختيار حياة العفة والبتولية في حد ذاته يُعج بمثابة إعلان عن العالم الآتي والغير قابل للفساد إستنادًا لتعاليم القديس أغسطينوس Evirginitas est in carne corruptibili perpeta incorruptibilitatis والتي تعنى أن البتولية تتطلب في الشخص التفكير المستمر بأنه غير قابل للفساد، في حين إنه يعيش في جسد قابل للفساد. المشورات الإنجيلية في حد ذاتها ذات طابع اسكاتولوجي لأن الراهب الذي يعيش وفقًا لهذه المشورات يعلن عن موته بصفة يومية عن حياة العالم. وفي لحظة الموت "الطبيعي" يكون الإنسان مطيعًا أكثر من أي وقت مضى، مطيعًا للدعوة الإلهية بانتهاء فترة حياته على الأرض، يكون فقيرًا وخاليًا من أي عاطفة. المكرس يعلن من خلال حياته عن موته عن العالم. ولعل طقس النذور الدائمة لكثير من الرهبانيات يعكس بعمق هذه الفكرة. واعلان المكرس عن موته عن العالم لا يعنى اعترافه بأن الموت هو نهاية كل شيء، بل على العكس هو البداية لحياة أبدية طال انتظارها والاستعداد لها.
 
 ٢. هناك جانب آخر متعلق بالناحية الإرسالة للحياة المكرسة. فالاسكاتولوجية تعنى الأمور المستقبلية المتعلقة بالحياة الأخرى. فالتطلع بانتظار ملكوت السموات لا يعنى إطلاقًا الانتقال والابتعاد عن الحياة العملية والمسئولية تجاه مشكلاتها اليومية وتقديم يد المساعدة للمحتاجين كي يستطيعوا تجاوز صعوباتها والتغلب عليها. التكريس يتطلب البدء الآن في تأسيس ملكوت السموات وجميع أعمال المحبة والخير المقدمة من المكرسين هي بمثابة مساهمتهم في بناء ملكوت السموات. ويجب التنويه بأن الانفتاح على الاحتياجات اليومية لا تعنى في ذات الوقت الإنغماس فيها للدرجة التي ينسى معها المكرس إنه ليس من هذا العالم، بل ينتظر أرض جديدة وسموات جديدة.
 
 ٣. الجانب الأخير المرتبط بالبعد الاسكاتولوجي خاص بالمهمة الملقاه على عاتق المكرس في بث روح التفاؤل والرجاء في مجيء ملكوت السموات لكل إنسان، خاصة أخوته المكرسين والمكرسات. في المجتمعات الغربية، حيث تسود ثقافة اللحظة الحاضرة ومحاولة الاستمتاع بها بقدر الإمكان، تظهر ضرورة أن يُعلن المكرس بحياته وشهادته عن تفاؤله بشأن المستقبل وإن الكلمة النهائية ليست للشر، بل لمجيء ملكوت السموات. يقدم بنمط حياته شهادة عن وجود مخرج لكل هذا الكم من حالات الإحباط الناتجة من هذه الثقافة، يُعلن إن الإنسان سيقابل الحب المطلق والكامل بعد الموت، وهناك ستكون الحياة الحقيقة والسعادة الدائمة. يعلن المكرس عن أول مظاهرها من خلال السلام الداخلي والاستقرار النفسي وعدم السعى القلق لإشباع رغبة زائلة تترك ورائها فراغًا أكبر. إن القلق والاغتراب الذي تعاني منه مجتمعات اليوم ناتج من تأثير تلك الثقافة فالتركيز في اللحظة الحاضرة يجعل الإنسان يشعر بقلق بخصوص مستقبله. في حين التفاؤل والرجاء الذي يقدمه المكرس يبعث على الطمأنينة في غدٍ أفضل، مملوء بالثقة في عناية الله ورعايته.
 
 و. بطرس الرسول ومريم العذراء
 تقدم الرسالة من خلال أيقونة العلية واجتماع بطرس والتلاميذ ومريم العذراء في انتظار حلول الروح القدس كنموذجًا لفئتي التكريس الخاص. فبطرس ممثل رجال الإكليروس، في حين تمثل العذراء "العروس" الحياة المكرسة والتي تنتظر عريسها. بطرس يكّون أبناء جدد في الإيمان المسيحي مستخدمًا الكلمة والأسرار وخدمته الرعائية. في حين مريم تجعل تعاليم بطرس والكلمات الممنوحة عن طريق الأسرار تثمر من خلال تكريس الذات الغير مشروط لله. بطرس في خدمة الكنيسة عن طريق اعلانه أن الحياة المسيحية هي نعمة مجانية يحصل عليها الإنسان من خلال الأسرار، ومريم تخدم الكنيسة من خلال الاستجابة الغير مشروطة لهذه النعمة المجانية، وانفتاح القلب على هذا الحب الإلهي والتعبير عنه بواسطة أعمال المحبة.
 
 وهناك نقطتان جديرتان بالملاحظة في هذا الصدد:
 − إن هذا البعد "الزوجي" للحياة المكرسة هو بعدً للكنيسة ككل من حيث كونها عروس المسيح، لكن في الحياة المكرسة يجد فاعلية خاصة لكونها عطاء للذات غير محدود وغير مشروط من قِبل المكرس ردً على العطية المجانية التي حصل عليها من خلال الأسرار.
 
 − المكرسات - على وجه الخصوص – يشعرنَّ في هذا البعد بنوع خاص من الالتزام، فيه تُصبح المكرسة عروس المسيح والتي تعطي ذاتها له. هذا البعد مرتبط بالناحية السيكولوجية للمرأة وقد ساعد الكثيرات من المكرسات على تجاوز صعوبات الحياة الرهبانية عن طريق احترام العهد المقطوع بينهنَّ وبين المسيح بإعتباره عهد زواج.
 
 أيقونة العلية تساعد على فهم التكريس الخاص بنوعيه: الكهنوتي والرهباني. هذا التكريس – كما سبق القول – لا يعنى تميزهما عن فئة العلمانيين، بل تَّميز الخدمة المؤتمنة لأصحاب التكريس الخاص. العطية الممنوحة لكل منهما عطية خاصة تختلف عن التكريس بالعماد لأن الخدمة المطلوبة من كل منهما تفوق ما يطلب عامة من العلماني. فالمكانة إذن داخل الكنيسة مرتبطة فقط بالخدمة المقدمة لشعب الله.
 
 وختامًا لهذا الفصل، يمكن إجمال كل ما سبق بالقول أن الكنيسة لا غنى لها عن الحياة المكرسة، كما لا غنى لها عن مريم العذراء. وبعد أن أهتم البابا بتحديد "Quid"، أي ماهية الحياة المكرسة، يركز جّل أهتمامه للكيفية التي تحقق بها الحياة المكرسة لدورها داخل الكنيسة. البابا يرجو لها أن تصبح أكثر شفافية لتعكس وجه المسيح الإلهي للعالم. ذلك الوجه الذي تجّلى على جبل طابور مظهرًا إن الطبيعة البشرية، يمكن أن تعكس صورة الله الغير محدودة، يمكن أن تعكس الله الغير مطلق. وبعد تركيز البابا على الكيفية التي تحقق بها الحياة المكرسة دورها في الكنيسة، لا يقفل الباب أما رسالتها في العالم، ولكن هذا الدور لا يأتي قبل أن تعكس وجه المسيح بكل شفافيه.
 
 القسم الثاني
 
 الحياة الجماعية داخل الكنيسة
 من أهم المشكلات الخاصة بالحياة المكرسة والتي حازت على النصيب الأكبر من المناقشات والدراسات قبل وأثناء انعقاد سينودس الأساقفة حول الحياة المكرسة. تتعلق المشكلة بعلاقة الحياة المكرسة بالكنيسة بوجه عام ودورها المحدد داخلها. من أجل الفهم الواضح لهذه المشكلة من الأفضل القيام بقراءة سريعة لأبعادها المختلفة.
 
 ما بين التصادم والحوار في أمريكا الجنوبية
 كانت دول أمريكا الجنوبية مسرحًا لكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العقود القليلة الماضية، مما استلزم ذلك إعادة التفكير اللاهوتي في موضوعات كثيرة مرتبطة بتلك الأحداث ومن ضمن هذه الأحداث مظاهر الفقر الجماعي واستبداد السلطات والظلم الاجتماعي. ظهر في تلك السنوات لاهوت التحرير والذي يطالب بالحرية من قيود الظلم الاجتماعي وأغلال الفقر الجمعي.
 
 في ظل هذا المناخ كان للحياة المكرسة الدور الفعّال في ظهور هذا الإتجاه اللاهوتي، ثم تلى ذلك تنبنى هذه القضية من جانب الكثير من المكرسين للدفاع عن السواد الأعظم من الفقراء. ظهرت هنا الصعوبات وعلامات الاستفهام بخصوص علاقة الحياة المكرسة بالسلطة الكنسية وكيفية تنسيق الجهود في مواجهة تحدي الفقر والعوز الاجتماعي. ولعل أقوى مظاهر هذه الصعوبات الخلاف الشديد في وجهات النظر بين منظمة "Clar" والتي تجمع المكرسين والمكرسات من ناحية وهيئة الأساقفة من ناحية أخرى. في البداية كانت أسباب الخلافات لاهوتية بالدرجة الأولى، ثم تحولت إلى محاولة تحديد علاقة الحياة المكرسة بالسلطات الكنسية والكنيسة بشكل عام، حتى يمكن تنسيق الجهود لخدمة شعب الله. جاءت الرسالة، في هذا التوقيت، لتضع النقاط فوق الحروف بخصوص تلك العلاقة، فأشارت إلى روحانية الجماعة الواحدة والتي يجب أن تَسود الكنيسة. كل شيء داخل الكنيسة يجب أن يتم وفقًا لهذه الروح والتي تجمع أبناء الكنيسة. تطلب الرسالة من كافة فئات الكنيسة التعاون، فالروح الفردية لا تستطيع مواجهة التحديات القائمة أمامها، وإنما يلزم التعاون البنّاء والحور المتبادل وتوفيق الاتجاهات. ففي تلك الروح الجماعية تكمن عمق المحبة الأخوية (ب ٧٤).
 
 يجب أن تكون الكنيسة المعاصرة على مثال الكنيسة الأولى في أورشليم والتي تعكس مدي التعاون والمشاركة بين أفرادها، من خلال علاقة المحبة والوحدة التي تجمع أفرادها بشخص المسيح القائم الحاضر دوما وسطها، مثلما كان حاضرًا في كنيسة أورشليم. فكل المكرسين مطالبين بالعيش وفقا لهذا المفهوم مع كافة الفئات الأخرى في الكنيسة، مطالبين بأن يكونوا روحًا واحدًا ونفسً واحدة مع باقي جسد الكنيسة وفي تناغم وتعاون كامل.
 
 أ, العلاقة مع الأساقفة
 هذا الموضوع حاز على اهتمام كبير داخل سينودس الأساقفة وهذا يرجع إلى حساسية وصعوبة هذه العلاقة. فلكل من الأسقف والمؤسسات الرهبانية أهداف محددة ومنهجية خاصة للوصول إلى تلك الأهداف، وفي كثير من الأحيان يكون هناك تعارض بين هذه الأهداف، وفي حالة الإتفاق على أهداف واحدة لكل منهم منهجية خاصة في الوصول إليها.. ومن هنا تظهر صعوبة العلاقة.
 
 جاءت الرسالة لتركز على ضرورة مساهمة الحياة المكرسة في إطار الكنيسة المحلية وفقا لهويتها ورسالتها الخاصة وفي نفس الوقت عليها احترام وتقدير الاحتياجات الرعوية للكنيسة المحلية. مما لا شك فيه أن هذه المساهمة من الحياة المكرسة داخل إطار الكنيسة المحلية يغني الكنيسة كلها، وفي نفس الوقت المؤسسات الرهبانية. الرسالة تعطي إرشادا عملية من أجل تحسين فرصة التعاون والتنسيق بين الحياة المكرسة والكنيسة المحلية مثل: مشاركة رؤساء الرهبانيات في اجتماعات الأساقفة، خاصة عند مناقشة الأوضاع الرعوية. كذلك تعطي الحق للأسقف في حضور اجتماعات رؤساء الرهبانيات العاملة في نطاق إيبارشيته، العمل على تدريس لاهوت الحياة المكرسة في المعاهد الإكليريكية الإيبارشية وتدريس روحانية الكهنة الإيبارشين لرهبان الحياة المكرسة.
 
 هذه الإرشادات العملية في غاية الأهمية نظراً لعدم الفهم المتبادل بين رجال الإكليروس والمكرسين للدعوة الخاصة لكل منهما والكاريزما والروحانية المختلفة، في أحيان كثيرة يحدث تضارب بين خطط العمل لكل منهما نظرًا لأن نقطة الإنطلاق غير واضحة. في حين تحديد فرادة الدعوة الخاصة لكل مهما يعنى أن منهجية العمل مبنية على أساس مختلف وبالتالي لن يحدث تضارب في خطط العمل لكل منهما.
 
 العلاقة إذن مع الكنيسة المحلية تقوم على أساس المساهمة بالكاريزما الخاصة لكل مؤسسة رهبانية في خدمة شعب الله وفي اطار تعاون وعمل مشترك مع الأساقفة المحليين. هذا التعاون لا ينفي خاصية الفرادة التي تتمتع بها كل هيئة رهبانية، ولكن يعني أن نقطة الإنطلاق لكل من المكرسين والأساقفة مختلفة. لهذا على المكرسين الحفاظ على الكاريزما الخاصة واستقلالية الرئاسة وفرادة الهوية والروحانية الخاصة، ثم وضع كل هذه الفرادة في خدمة الكنيسة. الأساقفة من جانبهم مطالبين باحترام الهوية الخاصة والكاريزما الممُيزة لكل مجموعة رهبانية عاملة في نطاق الإيبراشية الخاصة بهم. وتشكيل لجان تضم بالإضافة إلى رجال الإكليروس ممثلين عن تلك المجموعات لأن القضايا التي تتعرض لها الكنيسة المحلية تهم الأساقفة والمكرسين معًا.
 
 ب. العلاقة مع العلمانيين
 الحياة المكرسة بحكم طبيعتها هي على اتصال دائم ومتشابك مع العلمانيين سواء في حقل الرسالة الرعائية أو في حقل التنشيط الروحي. هناك العديد من نقاط الإلتقاء بين المكرسين والعلمانيين، منهما على سبيل المثال: مشاركة العلمانيين في الروحانية الخاصة بأحدى المؤسسات الرهبانية وهو ما يعرف عادة بأسم الرهبنة الثالثة (كالفرنسيسكان). هناك أيضًا العاملين من العلمانيين والمساهمين في دفع حركة النشاط داخل المؤسسات الرهبانية عن طريق تعاونهم مع المكرسين. البعض من هؤلاء العاملون بعمل في نطاق إتحاد مشترك محدد يعمل البعض الأخر تطوعيًا. وعلى الجانب الأخر تجد بعض المكرسين يشاركون العلمانيين أنشطتهم المختلفة خاصة في مجال التعليم والصحة كالمستشفيات مثلاً. أخيرًا يوجد بعض المكرسين الذين يشاركون العلمانيون احدى روحانياتهم الخاصة مثل مشاركة بعض الرهبان والراهبات جماعة الموعوظين الجدد أو الفوكولاري.
 
 هذه العلاقة بين المكرسين والعلمانيين تعرضت لها الرسالة في البنود (٥٤، ٥٥، ٥٦). أعطت الرسالة فيها تحديدات عملية يجب أن تؤخذ في الإعتبار من قِبل المكرسين. ولعل أهم هذه التحديدات خاصة بالمكرسين اللذين يشاركون العلمانيين روحانياتهم. أظهرت الرسالة إيجابية هذه المشاركة من حيث أنها تعطي دفعة روحية للعلمانيين ولكنها حذرت من خطورتها بالنسبة للمكرس لأنها تخلق إزداوجية في الهوية والروحانية الخاصة، فهو يتبع احدى المؤسسات الرهبانية ذات الروحانية المحددة وفي نفس الوقت ينتمي إلى مجموعات علمانية ذات روحانية مختلفة.
 
 ج. الحياة الجماعية للمكرسين
 سبقت الإشارة إلى التوصية الصادرة من مجمع الحياة المكرسة والخاصة بالحياة الجماعية للمكرسين والتي صدرت قبل شهور من إنعقاد سينودس الأساقفة. الموضوع الأساسي لهذه التوصية "Vita fraternal in comunita'" هو الحياة الجماعية داخل المؤسسات الرهبانية ذاتها. ففي مواجهة النزعة الفردية السائدة في المجتمعات الغربية والروح الاستبدادية المسيطرة السائدة في المجتمعات الشرقية، وفي مواجهة الصعوبات التي تواجه بناء حياة جماعية حقيقة للمؤسسات الرهبانية الموجودة في المجتمعات الخارجة حديثًا من مظلة الشيوعية. وفي مواجهة الاختلاف الثقافي والاجتماعي بين أفراد الأسرة الرهبانية الواحدة تتعرض التوصية لهذه المشكلات في ثلاث نقاط أساسية: الأولى: الحياة الجماعية عطية مجانية من الله للمكرسين. وفي الثانية إلى الحياة الجماعية كملتقي لأفراد مختلفيين وذو ثقافة مختلفة ليصبحوا إخوة. أما النقطة الثالثة فهي الحياة الجماعية داخل المؤسسات. وتعتبر هذه النقاط الثالثة الأساس في هذا الموضوع ولهذا تحيل الرسالة مرارًا إلى هذه التوصية، ولهذا يجب قراءتها معاً مع الرسالة الرعائية حول الحياة المكرسة للتعرف على عمق الحياة الجماعية لدي المكرسين وعلى ضرورة أن تعكس هذه الحياة عمق حياة الثالثوث.
 
 د. وضع المرأة المكرسة
 في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد تيارين مختلفي الاتجاه ولكل منهما رئاسة عامة، الأول هو ما يعرف بالتقليدي أو النظام الأكثر إنتشار في كثير من بلدان العالم. أما الآخر فهو جديد في تكوينه وأنظمته ولهذا حرصت السدة البابوية على دعوة رئاسة كل تيار إلى سينودس الأساقفة لعرض وجهة نظره بشأن موضوع المرأة المكرسة. وخلال المناقشات وعن طريق هذه المساهمات للمرأة المكرسة تمت صياغة دورها وطبيعته داخل الكنيسة. والملاحظ أن هذه المساهمات أخذنَّ ثلاث منحنيات مختلفة وهم:
 
 المنحنى الأول: يشمل المكرسات اللواتي أتينَّ من بلاد أضطهدت فيها المرأة بشكل عام والمرأة المكرسة بشكل خاص، مثل بلاد أوربا الشرقية وفيتنام وكوبا. ولقد أثرت شهادة حياتهنَّ على أعضاء السينودس للمرة الأولى في تاريخ إنعقاد سينودس الأساقفة (في السينودس لا يتم نهائيًا التصفيق لأحد المحاضرين مثلا ولكن خالف آباء السينودس لأول مرة هذا العرف السائد عندما تكلمنَّ بعض المكرسات الآتيات من تلك البلدان مما يدل على مدى الآثر الذي تركته شهادة حياتهنَّ على آباء السينودس). شهادة حياتهنَّ تتلخص في الصمود للاضطهاد اللذين تعرضنَّ له في هذه البلدان، متمسكات بإيمانهنَّ وتكريسهنَّ الدائم لله وللكنيسة. تلك الشهادة تحث كل المكرسين على التمسك التام بإيمانهم وعدم التخوف من تحمل الآلام في سبيل إتمام وعد التكريس التام والدائم لله وللكنيسة.
 
 المنحيى الثاني: يشمل المكرسات في الغرب العلماني. رسالتهنَّ تتلخص في ضرورة تغيير بعض المفاهيم في حياة المرأة المكرسة حتى تسطيع مواجهة تحديات المجتمعات الغربية العلمانية. في رسالتهنَّ دعوة للتعرف، والتوافق مع علامات الأزمنة المعاصرة.
 
 المنحنى الثالث: ويتضمن علاقات المرأة المكرسة بالكنيسة بوجه عام، خاصة مدي اسهامها في العمل الرعوي والأنشطة المختلفة للكنيسة. المتحدثات أعربنَّ عن عدم استعداد المكرسات في الوقت الحالي للدخول في هذا المجال ولكن أيدينَّ استعدادهنَّ لاكتساب كافة المقدرات العملية والعملية لتكنَّ بذلك على أهبة الاستعداد لتلبية احتياجات الكنيسة في المستقبل القريب.
 
 الأساقفة من جانبهم أظهروا مدى تفهمهم لدور المرأة المكرسة في الكنيسة. البابا من جانبه وفي ختام أعمال السينودس يدعو المكرسات للمساهمة في اصدار الرسالة الرعائية حول الحياة المكرسة وتقديم آرائهنَّ وعرض احتياجاتهنَّ بخصوص هذا الأمر. وفي بند (٥٧- ٥٨) نجد تلخيصًا موفقًا لكل ما دار حول المرأة المكرسة في أروقة السينودس.
 
 و. نقاط أخرى
 
 ١. الحبيسات: نظام المحبسة "La Clausura" للمكرسات أو ما يُعرف بنظام الحبيسات يجد اجماعًا من كافة الكنيسة وأعضائها المختلفين بشأن أهميته بشكل عام بالنسبة لحياة الكنسية. ولكن كيفية تنظيمه لا يحظى بالاجماع السابق. نظام الحبيسات ارتبطنَّ في نشاتهنَّ بنظام النساك الرجال مثل البندكتان والفرنسيسكان وغيرهم. فأسسنَّ أديرة لهنَّ على نفس المنوال (في الواقع أسس الرهبان الرجال أديرة للنساء على نفس نمط حياتهم). بين الحبيسات أنفسهنَّ هناك من تؤمن بضرورة احداث تعديل في هذا النظام. خاصة في نظام التكوين والتعاون مع أنظمة الرهبانيات النسائية الأخرى. سينودس الأساقفة دعا إلى إعادة النظر في القوانين الموجودة في أديرة الحبيسات. الرسالة الرعائية قبلت توجيهات السينودس مفصلة ثلاث أنواع لأنظمة الحبيسات، مقترحة تنظيم هيئة لدراسة الأشكال العملية لكيفية تنظيم هذا النوع من الحياة.
 
 هذه المشكلات قد تبدو للبعض قليلة الأهمية وهي كذلك لكل من هو خارج إطار الحياة المكرسة، ولكن من ينتمي لها يُدرك ماذا يعنى نظام الحبيسات للحياة المكرسة بشكل عام، وبالتالي إدخال تعديلات عليه بما يتلائم مع احتياجات المكرسات أمر بالغ الأهمية. في الوقت الحالي تعكف الهيئة المُشكلة من قبل البابا على دراسة كافة الظروف والملابسات والأشكال المختلفة لهذا النظام ونحن في انتظار رأيها النهائي بشأنه.
 
 ٢. الأنظمة المختلطة
 من أكثر المشكلات دوياً في أديرة المكرسين حاليا، خاصة بعد إنعقاد المؤتمر الرهباني العام للفرنسيسكان في أسيزي ١٩٩٧ والذي تعرض بالتفصيل لهذه المشكلة. يتلخص الموضوع في أن القانون الكنسي يعترف بنوعين من الأنظمة الرهبانية للرجال: الأول يُعرف بنظام الإكليروس "Claricali"، وهو خاص بالمكرسين من الكنهة. والنظام الثاني يعرف بالنظام العلماني "Laicali".
 
 هناك الكثير من الرهبانيات لا ترى نفسها في هذا التقسيم، فالفرنسيسكان مثلاً يشعرون أن هذا التقسيم لا يعكس هويتهم الرهبانية، فهم ليسوا كهنةً مكرسين وليسوا بالعلمانيين. هم إخوة تجمعهم حياة جماعية مشتركة، وكل منهم يلقب بـ "أخ" وفقا لتعاليم القديس فرنسيس الأسيزي. وداخل هذه الأسرة الواحدة تتعدد المهام ما بين أخ مسئول عن إقامة الأسرار المقدسة، وآخر مسئول عن الخدمة. لذلك يرى الفرنسيسكان أنفسهم كرهبنة مختلطة تجمع النظامين السابقين.
 
 حاز هذا الموضوع على مناقشات واسعة في المؤتمر الرهباني العام للفرنسيسكان وطلبوا إدراج تصنيف ثالث في القانون الكنسي يعبر عنهم، كنظام مختلط: "Istituti misti". أعطى سينودس الأساقفة ضوء أخضر لسير المناقشات القانونية اللازمة لإدراج هذا التصنيف الجديد في القانون الكنسي. قبلت رسالة البابا بكل ترحيب هذه الدعوة فشكلت هيئة من أجل دراسة هذا الموضوع وحددت المعايير الاساسية لهذه الهيئة لإدراج أي من المؤسسات الرهبانية في هذا التصنيف الجديد. أهم هذه المعايير هي رغبة المؤسس، ما إذا كان يرغب منذ البدء في تأسيس نظام اكليروس أو علماني أو نظام مختلط، ربط هذه الرغبة بالواقع الحالي للنظام الرهباني. فمثلاً كانت رغبة القديس فرنسيس في تأسيس رهبنة من "الأخوة"، ولكن مع الوقت ظهرت الحاجة إلى وجود كهنة أيضًا، ولهذا فإن النظام الحالي للفرنسيسكان هو نظام مختلط.
 
 ٣. التكوين الدائم للمكرسين
 الخلاصة اللاهوتية التي تقدمها الرسالة الرعائية حول الحياة المكرسة قد تبدو بعيدة المنال، يصعب الوصول إليها وتحقيقها في الواقع الحياتي للمكرسين. تهدف مقترحات الرسالة في الحقيقة إلى تحريك الحياة الراكدة في كثير من المنظمات الرهبانية والتي تعاني من ضمور في الحركة الفاعلة وخمول في الروحانيات الخاصة نتيجة لعدم وضوح الأفكار بشأن الهوية الخاصة وكاريزما المؤسس ودورها داخل الكنيسة. لم تُظهر الرسالة فقط أهمية التكوين الدائم للمكرسين كأداة فاعلة لإعادة تنشيط الحياة المكرسة وبث الحيوية فيها، بل تقدم نموذجًا للتكوين الدائم، مفصلًا وكاملًا من شأن المكرسين الاستفادة به والعمل وفقا لخطواته. النموذج الذي تقدمه الرسالة تتوفر به كافة المتطلبات الضرورية للتكوين الدائم في مختلف أوجه النشاط للمكرس وفي مختلف مراحل العمر المختلفة بند (٦٩- ٧٠).
 
 ٤. واجب الرئاسة الرهبانية
 تتناول الرسالة في بند (٤٣) موضوع الرئاسة الرهبانية في المؤسسات المختلفة. الرئاسة هي لخدمة الحياة الجماعية والارسالية وأهم واجباتها هي خلق روح جماعية أخوية فعالة تساعد المكرس على مواجهة اختبارات الحياة المختلفة. هذه الاشارة إلى واجب الرئاسة الرهبانية تأتي مختصرة ولكنها كافية لتوضيح ما هو مطلوب من الرئاسة في الحياة المكرسة. ففي مواجهة اعتبارات مختلفة مثل: احترام الشخص الإنساني وقرارته الخاصة يظهر التخوف من الوقوع في شباك النزعة الفردية وفي نفس الوقت عدم رغبة في العودة إلى أنظمة الرئاسة السلطوية التي كانت سائدة في الماضي. تُعيد الرسالة النظر في هذا الموضوع الشائك بكلمات قليلة ولكنها قوية وفعالة. فالرئاسة هي لخدمة المجموعة الرهبانية والنمو الروحي – الفردي والجماعي – للمجموعة.
 
 القسم الثالث
 
 الحياة الإرسالية
 خُصص القسم الثالث من الرسالة الرعائية للجانب الإرسالي للحياة المكرسة، وقد عنون بهذا المصطلح: "Servitium caritatis". تجمعت، في هذا القسم، الأشكال المختلفة للحياة الإرسالية للمكرسين والأنشطة القائمة والتحديات التي نواجهها في الوقت الراهن. مما لا شك فيه هناك كم هائل من المشكلات المرتبطة بهذا الجانب البالغ الأهمية من جوانب الحياة المكرسة المختلفة. كُثر الحديث، في السنوات الأخيرة، عن هذه المشكلات وأُبديت مقترحات عدة لتجديد الحياة الإرسالية للمكرسين. والملاحظ أن مشكلات الحياة الإرسالية تتغير مع الوقت، أو لنقل تتغير معالمها ودرجة كثافتها مما يسلتزم معها إيجاد حلول جديدة. الجديد في المشكلات الحالية التي تواجه الرسالة المسيحية، في الوقت الراهن، لم تعد تصدر حلولاً لها من الغرب الكاثوليكي، والذي قاد الحركة الإرسالية طوال القرن الماضي، ولكنها تأتي من أرض الإرساليات ذاتها ومن الكنائس المحلية والتي أصبحت تعي درجة التغيير الحادث في مجتمعاتها وكثافته، ولهذا فهي أكثر قدرة على اقتراح الحلول المناسبة للمشكلات التي تعوق النشاط الإرسالي.
 
 تتناول الرسالة الرعائية موضوع الحياة الإرسالة للمكرسين بطريقة متدرجة، فهي تقدم في بادئ الأمر الإطار اللاهوتي للحياة الإرسالية للمكرسين، ثم الأشكال المختلفة للحياة الإرسالية والتحديات المطروحة أمام الحياة المكرسة بهذا النصوص مع الإشارة إلى أكثر مناطق العالم احتياجًا للرسالة.
 
 أ‌. الإطار اللاهوتي للحياة الإرسالية للمكرسين
 تبدأ الرسالة بتحديد واضح للاهوت الحياة الإرسالية، مقدمة هذا اللاهوت في ثلاث عناصر أساسية وهي على الترتيب: التكريس، الحياة الأخوية داخل الجماعة المكرسة، وأخيرًا الرسالة الخاصة لكل مؤسسة رهبانية. نلاحظ هنا أن الحياة الأخوية داخل الجماعة المعنية في هذا الجزء هي الحياة الخاصة بكافة المجموعات الرهبانية وليس فقط المكرسين، وبالتالي تنطبق أيضًا على أنظمة العلمانيين والذين يعيشون مثل هذا النوع من الحياة.
 
 ١. التكريس
 التكريس هو المُكون الأول للحياة الإرسالية للمكرسين، فشهادة الحياة ذاتها – وفقا لتعاليم الكتاب المقدس- هي لكل إنسان مسيحي بمثابة أول وأهم خطوات الرسالة المسيحية. الحياة المكرسة والتي تتطلع إلى عكس شكل حياة المسيح ونمط حياته على الأرض فإن تكريسيها لهذا في طبيعته البشرية، فالشخص الذي يعيش عفيف، فقير، مطيع يكون بمثابة ذاكرة يسوع في الوقت الحالي، فنمط حياته يُشكل علامة استفهام في حياتنا المعاصرة والتي تعلي من شأن ثقافة اللحظة.
 
 داخل الكنيسة يشكل هذا النمط من الحياة قوة تبشرية خاصة، فالمثل والنموذج الذي يعطيه المكرس بحايته عائشنا في نفس ظروف حياة المسيح الإنسان على الأرض له قوة ثأثير أكبر بكثير من محاولات الإقناع العقلية التي يمكن أن لا تجني ثمرًا.
 
 في بند (١٨) تؤكد الرسالة على أن الحياة الإرسالية تبدأ بالقبول الغير مشروط على مثالث إستجابة العذراء لمخطط الله بإعلانها أنها أمه الرب وإنها على استعداد لعمل مشيئته. هذه الإستجابة هي عمق حياة الإبن يسوع الإنسان والذي أتي للعالم لعمل مشيئة أبيه السماوي، وهي في ذات الوقت ولُب حياة المكرس، الذي على مثال معلمه، يُكرس حياته لعمل مشيئة الله. فإذا كان التكريس، في حد ذاته، يعنى القبول الغير مشروط لإرادة الله في حياة الشخص، فإنه يُعد بداية حياة التبشير والحياة الإرسالية أيضًا. ويتضح هذا في إعلان البابا أنه بالدرجة التي يعيش فيها المكرس تكريسه الخاص لله ويرهن ذاته لعمل مشيئته، فإنه بذلك يشارك بفاعلية في رسالة يسوع الخلاصية ويساهم بطريقة فريدة في تغيير العالم.
 
 الحياة الإرسالية تبدأ إذن داخل الشخص المكرس أولا. فالرسالة الأولى التي على المكرس أن يقدمخا هي تبشير ذاته. في هذه الرسالة يستند البابا إلى تقليد آباء الصحراء والذين نزحوا إليها رغبة في تطهير القلب من كافة ارتباطاته الدينوية ولترك مكانًا شاغلًا في القلب إلى الله ومجيء ملكوته جميع هؤلاء النساك كانوا مبشرين بكل ما تحمل الكلمة من معاني، فتطهير الذات والاستجابة الغير مشروطة لمشيئة الله في حياة الشخص هي أول مراحل الرسالة الحقيقية. شهادة الحياة التي قدمها هؤلاء النساك شكلت لقرون طويلة أقوى وسائل التبشير المسيحي. والجدير بالذكر هنا المثل الذي قدمه أنطونيوس الكبير وآثره في حياة الكثيرين.
 
 التكريس في حد ذاته، إذن أولى خطوات الرسالة، لأن المكرس بالتزامه بالتكريس يترك مكانا في حياته الله ويضع ذاته لعمل مشيئته فيعكس نمط حياة يسوع الإنسان ويكون نورًا للعالم وملحًا للأرض. التكريس أخيرًا هو ما يميز الحياة الإرسالية للمكرس عن الحياة الإرسالية إلى أي عضو آخر من أعضاء الكنيسة كالعلماني أو أحد رجال الإكليروس.
 
 ٢. الحياة الأخوية داخل الجماعة
 الحياة الأخوية داخل الجماعة المكرسة تُعد من الموضوعات الأكثر أهمية التي تناولتها الرسالة ليس فقط لأن المؤسس أو المؤسسة للمجموعة الرهبانية قد حدد أو حددت أنه من خلال الجماعة يمكن أن تحقق الأعمال الواجبة تجاه الآخرين بصورة أعمق وأقوي من العمل الفردي، ولكن لأن أهم ما يميز الحياة المكرسة هي حياة الشركة الواحدة لأعضاتها والتي من خلالها تنطلق أعمال المحبة والخاصة بخدمة الآخرين.
 
 الحياة الأخوية داخل الجماعات المكرسة تشهد على إمكانية العيش في أرض جديدة وسموات جديدة حيث جميع الأفراد متساوون، متحابون ومتحدون في شركة واحدة. في ذات الوقت تعلن الحياة الأخوية على أن الكنيسة هي واحدة وأن الهدف الأساسي لها هي أن تجمع الجميع في شخص المسيح وأن توحد ما بين الإنسان وأخيه. أن عالم اليوم في أشد الاحتياج إلى هذا المعنى للحياة الأخوية والتي يعيشها المكرسون خاصة في ظل حالة الاغتراب التي يعيشها الكثيرون.
 
 ٣. الرسالة الخاصة
 إذا كان التكريس يعطي إمكانية الاشتراك في نمط حياة المسيح. فإن الرسالة الخاصة تعطي امكانية الاشتراك في أحد أعماله أو بالاحرى، احد "أسراره" الخاصة. الرسالة الخاصة لكل مؤسسة رهبانية تعكس سرًا خاصًا أو عملًا من أعمال المسيح. فالمسيح حاضر في المؤسسة الرهبانية ليس فقط م خلال نمط حياته والتي تميزها المشورات الإنجيلية، لكن أيضًا من خلال عمل محدد أو رسالة خاصة قام بها المسيح في حياته على الأرض. القديس منصور دي بول، رأي في إصحاح ٢٥ من إنجيل القديس متى، المسيح الذي يهتم بالفقراء والمساكين. ولهذا فروحانيته ورسالة مجموعته الرهبانية تنطلق من هذا المنظور لشخصية المسيح. في حين يأتي المسيح الفقير كنموذج لنمط ورسالة الرهبنة الفرنسيسكانية، نجد أن تاليم المسيح حول التبشير والرسالة تميز جماعة دانيال كومبوني الإرسالية. هكذا فإن كل مؤسسة رهبانية تكرس حياتها لتعكس بعدًا واحدًا من أبعاد شخصية المسيح، وهذه الأبعاد المختلفة غير قابلة للنفاذ لأنها أبعاد شخصية إبن الله ذاته.
 
 البعد الخاص بالجماعة المكرسة يُعبر عنه بمصطلح الرسالة الكاريزماتية للجماعة الرهبانية "La missione carismatica". ويجب الإشارة إلى أن الرسالة الخاصة ليست فقط النشاط الرعوي، بل التوجه العام للمؤسسة الرهبانية ودورها في الكنيسة. لهذا تنادى الرسالة الرعائية للحياة المكرسة بضرورة أن تقوم المؤسسات الرهبانية بإعادة النظر في أوجه النشاط التي تقوم بها لكي تعكس التوجه العام للمؤسسة الرهبانية.
 
 . رسالة الحياة المكرسة في العالم المعاصر
 عند تعرض سينودس الأساقفة للجانب الإرسالي للحياة المكرسة في مناطق العالم المختلفة ربط بين هذا الجانب والتحديات القائمة في العالم المعاصر. هذه العلاقة هي قلب القسم الثالث من الرسالة الرعائية والذي يبدأ بعرض لاهوت الحياة الإرسالية، ثم لتحديدات العالم المعاصرة للرسالة المسيحية. من هذا يتضح أن الفهم الواضح لرسالة الحياة المكرسة يتطلب، بالإضافة إلى وجود فكر لاهوتي واضح عن ماهية الرسالة التبشرية للمكرسين، يلزم أيضا توافر فكرة واضحة بخصوص الصعوبات التي تواجه الرسالة المسيحية في عالمنا المعاصر ومناطقه المختلفة. لهذا فأن على المكرسين الإلمام بكافة هذه الصعوبات والتحديات حتى تكون رسالتهم فعّالة وإيجابية، وفي نفس الوقت ملائمة لاحتياجات إنسان اليوم ومستواه الثقافي والفكري.
 
 المقصود بالتحديات المعاصرة تلك الميول والاتجاهات السائدة في عالم اليوم تؤثر بشدة على الحياة المكرسة. المطلوب ليس التعرف على البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه الميول والاتجاهات والتي يمكن التوصل إلى معرفته عن طريق القواعد العلمية الخاصة بعلوم الاجتماع والاقتصاد، ولكن أيضًا التعرف على بعدها اللاهوتي من حيث إنها علامات الأزمنة التي تعبر عن صورة الله الموجهة للكنيسة في الوقت الحالي: Vox dei appellantis Ecclesiam hic et nune"". الحياة المكرسة لا يجب أن تكون بعيدة عن هذه التحديات، بل العكس يجب أن تكون قادرة على مواجهتها، يجب أن تكون قادرة على عكس وجه الله الخلاصي وتعاليم الإنجيل أمامها. يتطلب هذا ضرورة توافر الثقة في عمل وقوة الروح القدس من جانب المكرسين، فالروح يظهر من خلال هذه العلامات احتياجات وتساؤلات إنسان اليوم ويساعد على تقديم الإجابة الشافية لهذه التساؤلات.
 
 هناك كم كبير من التحديات والصعوبات وأحيانًا تظهر متعارضة فيما بينها، فكيف يمكن للحياة المكرسة مواجهتها؟ الرسالة الرعائية في إجابتها على هذا التساؤل، تشدد على أن الواجب الأول للحياة المكرسة هو مواجهة الصعوبات التي تعترض الكاريزما الخاصة لكل مؤسسة رهبانية. المكرس يجب أن يلم بكافة التحديات التي تواجه الكنيسة اليوم بشكل عام والحياة المكرسة بشكل خاص، ولكنه يجب أن يجتهد في التوصل إلى إجابات شافية فقط لتلك الصعوبات والتحديات التي تواجه الكاريزما الخاصة بمؤسسة الرهبانية. على المكرس أن يُدرك حجم ونوعية هذه الصعوبات وأن تصبح مادة خصبة لصلاته وتأملاته وأن يجتهد في التغلب عليها وفي ذات الوقت أن يكن أمينا للكاريزما الخاصة.
 
 الرسالة الرعائية تريد من المكرسين أن يكونوا أكثر ارتباطًا بالكاريزما الخاصة حتى لا يسقطوا في هوة العموميات. أهم ما يميز عالمنا المعاصر هو التخصصات الدقيقة وتماشيًا مع متطلباته فإن على المكرس أن يكون ملمًا بكل تفاصيل الكاريزما الخاصة به وأن يكون على استعداد لتقديم إجابات واضحة لكافة التساؤلات المتعلقة بهذه الكاريزما.
 
 يلاحظ أن في كل مرة تتناول الرسالة موضوع الكاريزما الخاصة تورد هذه العبارة "أمانة خّلاقة" أو "أمانة ديناميكية" أي الآصالة للكاريزما. هذه الأمانة لا تتطلب ترديد نفس النغمات وتكرار نفس الأفعال التي قام بها المؤسس، بل يهتم المكرسون بمؤامة الكاريزما الخاصة وفقًا لمتطلبات الحياة المعاصرة مع الإلتزام بالروح العامة للكاريزما. هذه العلاقة بين الأمانة للكاريزما والروح الخلاقة والمتجددة تُعد أكثر التحديات التي تواجه الحياة المكرسة في الوقت الحالي.
 
 هناك مشكلة أخرى متعلقة بماهية الاتجاهات في المجتمع التي يمكن إعتبارها صوت الله؟ هنا تظهر مشكلة التمييز الروحي. تردد الرسالة كثيرًا أن التمييز لا يتم بمعزل عن القراءة الجيدة للأحداث للتعرف على علامات الأزمنة. من هنا تظهر أهمية تربية هذا الوعي لدي المكرسين وامكانية استخدامه في الوقت المناسب للتعرف على صوت الله في الأحداث المتعاقبة اليومية. التمييز الروحي في حد ذاته يعني البحث عن إرادة الله من خلال الأحداث اليومية مع الإيمان بأن الله يعمل بصفة مستمرة في العالم. التمييز يعنى الإستعداد للتغيير حتى إذا وصل الأمر لتغيير الوضع الحالي للمؤسسة الرهبانية استجابة لصوت الله. في هذا المجال هناك سؤالان يبحث المكرسون عن إجابة لهما: الأول متعلق بكيفية تمييز إرادة الله وسط الأحداث اليومية؟ أما الثاني فهو عن كيفية تكوين هذا الوعي لديهم؟ هذان السؤالان في حد ذاتهما يعكسان مدى التحدي الذي تواجهه الحياة المكرسة اليوم وستواجه في السنوات القليلة القادمة.
 
 يلاحظ أن الرسالة الرعائية تعطي بعضًا من التغيير في مفهوم الالتزام الاجتماعي للمكرسين، فهي تحول الاهتمام من أعمال المحبة العينية (مثل تقديم الخدمات الاجتماعية والثقافية خاصة في النواحي التعليمية والتربوية) إلى المحبة الروحية كواجب والتزام للمكرسين. هذا التحول في مفهوم الالتزام الاجتماعي لا يعنى أن الفقر المادي اختفى من عالمنا المعاصر، مما يستلزم من المكرسين ترك هذه النوعية من الخدمات. الفقر المادي موجود، بل ويزداد تفشيًا في مناطق كثيرة من العالم. الرسالة الرعائية ترى ان الوسائل الروحية هي الأكثر قدرة على مواجهة تحدى الفقر المادي المستشري في مجتمعات كثيرة. لم تنفى الرسالة بذلك أهمية أعمال المحبة العينية التي تقدمها بعض المؤسسات الرهبانية كوسيلة فعالة في محاربة الفقر المادي ولكن تعطى أهمية أكثر للوسائل الروحية، كالاهتمام بالتبشير والبعد الروحي لتلك الفئات.
 
 عندما رغبت الرسالة الرعائية في تقديم مجالات الرسالة، قسمت المشكلات الأساسية في ثلاث مجموعات. الأولى هي "Ad Gentes" والمقصود هنا تلك المجتمعات التي لم تعرف بعد شخص يسوع المسيح كأبن الله ومخلص العالم. المجموعة الثانية تضم تلك المجتمعات التي تم بشيرها منذ فترات طويلة ولكنها حاليا في حاجة إلى إعادة تبشير. أما المجموعة الأخيرة فمن مجموعات الفقراء في المناطق الأكثر إحتياجًا والتي فيها يعد الفقر صورة من صور الظلم الاجتماعي.
 
 Ad Gentes
 تؤكد الرسالة على أهمية الانفتاح على كافة المجتمعات، خاصة تلك التي لم تعرف بعد شخص يسوع المسيح. كل المؤسسات الرهبانية مدعوة للخوض في هذا المجال، حتى تلك التي لم يسبق لها القيام بهذه النوعية من الرسالة، فهي مدعوة أيضا لتنمية الوعي الإرسالي لدي أفرادها. الحياة المكرسة إذن مدعوة للقيام بتبشير تلك المجتمعات. تؤكد الرسالة على أن هذا المجال لابد أن يُعد قضية خاصة لكل مؤسسة وعليها ايجاد الإجابة المناسبة عليها، ويستشهد البابا بقول الرسول بولس: "الويل ليَّ إن لم أُبشر".
 
 إعادة التبشير
 يُظهر البابا صعوبة التوصل إلى طرق أكثر فاعلية للتبشير وتنمية الوعي الإرسالي للمكرسين قبل أن يقوم المكرسون بتبشير ذواتهم أولاً. يجب أن توجه الرسالة إلى المكرسين والمكرسات أولاً ومنها تنطلق إلى الآخرين. القلب المملوء بالمعاني وقيم الإنجيل هو وحده القادر على تقديم الرسالة للآخرين وفي ذات الوقت فإن الامتلاء بالقيم الإنجيلية يعطي قدرة خّلاقة على إيجاد الوسائل الأكثر فاعلية لتقديم الرسالة. التجسد يسبق مرحلة التبشير والرسالة العلنية في حياة يسوع، هكذا الحال مع المكرس. فالمسيح قضى مرحلة طفولته وشبابه في صمت تام، عائشًا في ظلمة الناصرة استعدادًا لتقديم ونشر النور في العالم. والتعبير ذاته المستخدم لوصف حياة المكرسين يشير إلى هذا المعنى، فنحن نقول "حياة مكرسة" فهي إذن حياة معاشة وفقا للقيم الإنجيلية وتكريس الحياة لله. ومن هنا فأن العيش الأمين لمتقضيات هذه الحياة يعد أولى مراحل التبشير والرسالة.
 
 إعادة التبشير يُعّد عنصرًا هامًا لأنه يمس عمق الحياة ذاتها بالنسبة للمكرس. تعاليم الرسالة الرعائية بمثابة دعوة للإصلاح الداخلي والعيش وفقًا لمقتضيات الإنجيل. دعوة البابا للتبشير الذاتي والإصلاح الداخلي لم تأتي لسد ثغرات في البرامج الرعوية للمكرسين، لكنها دعوة إلى العودة إلى الينبوع الأساسي للحياة المكرسة، ألا وهو القيم الإنجيلية. وقد ساعد الإنغماس في الأنشطة الرعوية، في كثير من الأحيان، على نسيان هذه الحقيقة المهمة وهي أن الحياة المكرسة في حد ذاتها، وقبل أي شيء أخر، تحتاج إلى تبشير مستمر وارتباط قوي بحياة الإنجيل بإعتباره المنبع الأساسي والذي منه تستقى روحانياتها.
 
 تتعرض الرسالة في هذا الإطار لإحدى المشكلات الهامة والتي تؤثر على رسالة المكرس والمتعلقة بالاغتراب الثقافي. تتأرجح هذه المشكلة بين الحاجة إلى التخلى عن الإرتباط الثقافي الخاص بالفرد حتى يتمكن من التأقلم مع الثقافات المختلفة والتي قد تقضي ظروف الرسالة التعايش معها، وما بين المساهمة بالقيم الإنجيلية في المكون الأساسي لتلك الثقافات.
 
 تتناول الرسالة الرعائية الجانب الأول للمشكلة في بند (٧٩)، أما الجانب الثاني فقد خُصص له بند (٨٠). تركز الرسالة على وحدة المؤسسة الرهبانية لأن التأقلم مع الثقافات الأخرى يؤدي إلى التفتت الداخلي في المؤسسة، لأنه يُعدد الطرق المختلفة اللازمة لمعالجة ذات المشكلات.
 
 في البند (٥١) نجد إشارة ذات معنى من قداسة البابا، فيشير إلى المؤسسات التي تقدم رسالتها في نطاق دولي أو عالمي، فأن عليها مواجهة مشكلة التعدد الثقافي للحفاظ على الهوية الخاصة بالمؤسسة. فالهوية واحدة لأن الخبرة الروحية للمؤسس واحدة. انتشار المؤسسة بعد المؤسس في بلدان كثيرة لا يجب أن يفقد هذه الهوية أصالتها وفرادتها. التوصل إلى الوحدة رغم الاختلاف والتباين للمكرسين يعطي مثلاً صريحًا على عالمية الكنيسة الجامعة. فالمؤسسة تضك أفرادًا من شتى أرجاء المعمورة، ولكن يجمعها روحٌ واحد وهويةٌ واحدة، مثلها مثل الكنيسة التي تجمع الجميع في إطار أخوية واحدة رغم أنها تضم كنائس إقليمية ذات ثقافات متباينة. على المؤسسات الرهبانية إذن التغلب على مشكلة الاغتراب الثقافي وجعل تلاقي أفراج من ثقافات مختلفة نوعًا من الغنى الذي يثرى الروحانية الخاصة بالمؤسسة، وليس كأداة للأنقسام والأختلاف.
 
 الأعمال الخيرية لخدمة الفقراء
 لو تم عقد سينودس الأساقفة قبل عشر سنوات لكان هذا الموضوع استحوذ على اهتمام أكبر بكثير مما استحوذ عليه في سينودس الأساقفة المنعقد في عام ١٩٩٤. قبل عشر سنوات كانت أمريكا اللاتينية تموج بثورات التحرير والكفاح ضد الفقر المدقع والظلم الاجتماعي. في تلك السنوات ظهر لاهوت التحرير في محاولة لإيجاد مخرج لتلك المشكلات. وبالرغم من الفقر مازال يربض على مظاهر الحياة في أمريكا اللاتينية، ويُعد من أصعب المشكلات التي تواجه الرسالة المسيحية، إلا أن هذه المشكلة لم تحظى بحيز كبير من الاهتمام داخل أروقة سينودس الأساقفة.
 
 تعالج الرسالة الرعائية هذا الموضوع في بند (٨٢) عندما تشير إلى الأعمال الخيرية المقدمة لخدمة الفقراء والتي تدفع بعض المكرسين لمحاربة الظلم الاجتماعي المتسبب الأول في مشكلة الفقر. لم تكتفي الرسالة بهذا الشكل من مظاهر الفقر، بل تناولت كافة الذين يتواجدون في حالة ضعف أو احتياج، مثل المهاجرين والمسنين والمرضى والأطفال. هؤلاء ليسوا فقراء بالمعنى المادي، ولكنه فقر من نوع آخر. تدعو الرسالة إلى التضامن مع هؤلاء، خاصة المهمشين مهم. ويعنى التضامن هنا مشاركتهم الظروف التي يعيشون فيها، العيش مثلهم محرومين من أشياء عدة. اختيار العيش كفقراء هو في حد ذاته، اعلان لأنجيل الخلاص للفقراء. وتعرض الرسالة في البنود التالية (٩٠- ٩٨) للأعمال الخيرية لمساعدة الفقراء وفقا للكاريزما الخاصة بكل مؤسسة رهبانية.
 
 المشورات الإنجيلية والتحدي الثقافي المعاصر
 تعنى المشورات الإنجيلية الإقتداء الكامل بنمط حياة يسوع الإنسان على الأرض، وهي بهذا تحمل قيم إنسانية عميقة. فالمشورات الإنجيلية لا تجعل من الإنسان تلميذًا للمسيح وتابعًا له فحسب، ولكنها تُعيد صورة الله التي خُلق عليها الإنسان قبل السقوط بالخطيئة. فكل نذر من النذور الرهبانية تساعد الإنسان على السيطرة على ثلاث نوازع أساسية كائنة فيه وهي: الرغبة في التملك، الرغبة الجنسية، وأخيرا الرغبة في امتلاك والتفرد بالقرارات الشخصية. هذه النوازع الثلاث هي إيجابية في حد ذاتها وخَّيرة لأنها مخلوقة من الله وموجودة بفعل مشيئته. الخطيئة الأصلية جعلت لهذه النوازع قوة غاشمة تسحق إرادة الإنسان. فمثلا الجنس هو نازع طبيعي خَّير لصالح تكاثر الجنس البشري وسعادة الرجل والمرأة، ولكن تحول هذا النازع بفعل الخطيئة إلى أداة للهدم أكثر من أداة للاستمرار الجنس البشري وتحقيق ذاته.
 
 في الثقافة المعاصرة وتحت وطأة المناداة بالحرية يطلق الإنسان العنان إلى غرائزه الأساسية ويعيش بإرادة ضعيفة تاركًا قيادة حياته لهذه الغرائز لتحكم فيه كيفما تشاء. في هذا المحيط الثقافي يقدم المكرس بنمط حياته، الفقير والعفيف والمطيع، نموذجًا مختلفا يُرجع إلى الإنسان حالة البراءة الأولى قبل السقوط، يعترف بوجود هذه النوازع ودورها الإيجابي لأنها عطية مجانية من الله الخالق ولكنه يعلن في الوقت نفسه عن أن الله هو كل شيء بالنسبة له. الموت الأختياري عن هذه الغرائز يرد الإنسان إلى حياته الأولى مع الله في الفردوس عائشًا مطيعا لله وفي عفة كاملة وفي غنى كامل بالله وحده. الحياة المكرسة إذن ليست مطالبة بالقراءة الجيدة لعلامات الأزمنة، بل لقبول التحدى الثقافي القائم أمامها وتقديم نموذجًا ثقافيًا آخر قادر على ضحد ذالك النموذج المعاصر.
 
 التحدي الثقافي الأول الذي تواجه الحياة المكرسة هو الخاص بالثورة الجنسية والتي تحرر الجنس من كافة ارتباطاته المتعارف عليها. تقدم الرسالة الرعائية وجهة النظر المسيحية أمام هذا التحدي في بند (٨٨)
 
 التحدي الثاني يأتي من النمط الإستهلاكي الذي يميز مجتمعاتنا وحياتنا الثقافية. هذا النمط له ضحاياه من الفقراء والمعدمون أو ذو القدرة الإستهلاكية الضعيفة. هذا بالإضافة إلى سوء توزيع الموارد وتركيزها في البلاد الغنية في حين تعاني باقي مناطق العالم من الفقر والعوز. تقدم الرسالة كافة أشكال الفقر التاريخية التي اختارها المكرسون عبر زمن الكنيسة إلى وقتنا هذا.
 
 النزعة الفردية هي التحدي الثقافي الثالث الذي تواجهه الحياة المكرسة. هذه النزعة تُعد مرادفة للحرية الغير مقيدة يعرف أو بقانون والتي يطالب بها الكثيرون في وقتنا الحالي. الرسالة تقدم الطاعة وتسليم الإرادة الشخصية للرؤساء كنموذجًا مناهضًا لهذه النزعة. تقدم الحرية الداخلية، على مثل حرية إبن الله في تقديم ذاته لخدمة وخلاص الأخرين كتحدي لهذه النزعة التي تطالب بحرية غير مقيدة.
 
 الحياة المكرسة تقدم نموذجًا مناهضًا لهذه التحديات الثقافية المعاصرة ولهذا فإن الرسالة تركز على أهمية أن ينمو المكرس في هذه الأبعاد الثلاثة على أن يعمل على التوافق فيما بينهما.
 
 أن يقدم شهادة ملؤها الفرح للعيش وقتا لهذا المشورات الإنجيلية. شهادة تعلن لعالم اليوم إمكانية العيش أحرارًا من هذه الغرائز الأساسية: الجنس وتملك الإرادة الشخصية وروح الملكية.
 
 الالتزام بعمل من شأنه مناهضة هذه الثقافة المغلوطة لعالم اليوم، وتقديم هذه الميول في حجمها الطبيعي دون تضخيم مع التركيز على دورها الإيجابي في استمرار الخلق وتفوق الجنس البشري. نقد ما قد تسببه هذه الغرائز من أخطاءه وفي ذات الوقت التركيز على رحمة الله ومغفرته تجاه الخطأة.
 
 الاشتراك مع الهيئات المختلفة في علم موجه ضد الثقافة المعاصرة والمناهضة للحياة المكرسة المقصود بالهيئات المختلفة تلك السلطات المحلية في المجتمعات المختلفة لأن الحرية الجنسية أو الروح الفردية وازدياد النمط الإستهلاكي هي أخطار لا تواجه الكنيسة فقط بل المجتمعات ذاتها. فمن لا يري المعاناة الناتجة من عدم القدرة على التحكم في النزعة الجنسية وما يترتب عليها من جرائم كثيرة تهدد السلام الاجتماعي داخل هذه المجتمعات. ومن لا يري أن عدم العدل في توزيع الموارد بعرض مئات الآلاف للعوز والحاجة في بلاد العالم الثالث في حين يعاني العالم المتقدم من شراهة الاستهلاك. ومن لا يرى نتائج الروح الفردية من إنعدام الثقة في الآخرين والتزايد المطرد في الأمراض النفسية كنتيجة طبيعية للوحدة والاكتفاء بالذات مما يشكل خطرًا على المجتمعات ذاتها. هنا تظهر أهمية استعداد المكرسين لتقديم ثقافة أخرى مستمدة من الإنجيل مناهضة للثقافة الحالية.