Home English اتصلوا بنا سجل الزوار

الدعوة الرهبانية

رهبنة الوردية المقدسة

 
 

الخوري يوسف طنوس يميّن

آداة بين يديّ الله

والده : طنوس خليل يمين

والدته: وردة بطرس

ميلاده: 1/11/1838 في الناصرة

دعوته: في العاشرة من عمره رافق والده طنوس للترحيب ببطريرك اللاتين في القدس

" يوسف فاليركا " عام 1848 والذي قال فيه:" إني أرغب في أن أُبقي يوسف عندي وأن أحصيه بين تلاميذي".

دراسته: في اكليركية غزير- لبنان، حيث بقي أربع سنوات عاد بعدها إلى بيت جالا-القدس حيث تابع دروسه.

سيامته: في 30 أيار 1863 (على جبل الجلجلة) في القدس.

 

  مهامه:

-       مديراً للنظام في إكليركية البطريركية اللاتينية، وأستاذاً في اللغة اللاتينية والترتيل والموسيقى.

-       أمين سر القصادة الرسولية في بيروت عام 1866 .

-       أمين سرّ البطريركية اللآتينية عام 1868.

-       مستشار لاهوتي للبطريرك فاليرغا في المجمع الفاتيكاني الأول في روما عام 1869.

-       عُيّن مستشاراً بطريركياً ومعتمداً لدى الحكومة التركية عام 1889.

 

تأسيس رهبانية الوردية: في 24 تموز 1880.

وفاته: في 30 أيلول 1892 في الناصرة

 

 

كان الأتراك يحكمون فلسطين وبلاد الشام منذ عام 1517. وفي القرن التاسع عشر سُميّت الدولة العثمانية " بالرجل المريض" لأنها أصبحت عاجزة عن الدفاع عن نفسها. فشرعت الدولة الأوروبية تبسط نفوذها عليها بقصد كسب امتيازات تجاريّة واقتصادية وحماية الرعايا المسيحيين الذين ينتمون إلى مذهبها. كما قَويَ بعض الولاة ونالوا شبه استقلال مقابل إعطاء السلطان مبلغا من المال سنوّياً. وعلى هذا الأساس حكم محمد علي مصر (1769- 1849) والأمير بشير الشهابي جبل لبنان (1767- 1851) وعبد الله الجزّار عكا وشمال فلسطين (1804 -1830) . وفي سنة 1830، احتلّ إبراهيم باشا، ابن محمد علي، عكا، وكان يطمح في طرد الأتراك وتأسيس دولة عربيّة. وقد نشر الأمن والمساواة بين جميع رعاياه في فلسطين وأزال الفساد في غضون عشر سنوات. إلا أنّ الدول الأجنبيّة خافت من ازدياد نفوذ إبراهيم باشا، فضيّقت الحصار عليه حتى جعلته يعود إلى مصر مع جيوشه، وعادت الدولة العثمانيّة تحكم فلسطين. فُرضَت ضرائب باهظة جدّاً على الشعب، وكان المسيحيون يدفعون للدولة جزية إضافية، مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية. وقد كان المسيحيون يعيشون حول الأماكن المقدسة كبيت لحم والناصرة وبعض القرى والمدن الأخرى في فلسطين. وكان الوضع الثقافي والصحي في انحطاط متزايد إذ لم تكن السلطات التركية تهتمّ كثيرا بتأسيس المدارس والمستشفيات. وكانت المرأة تجهل حقوقها، وكرامتها شبه مسلوبة وقلّما تذهب إلى الكنيسة لتصلّي.

في ظلّ هذه الأجواء السياسية والظروف الاجتماعية الصعبة، تضاءل عدد المسيحيين بنسبة كبيرة في الأراضي المقدسة، خصوصا في الناصرة، مما اضطرّ الآباء الفرانسيسكان عام 1630 الطلب من البطريرك الماروني يوحنا مخلوف أن يرسل من لبنان عائلات مسيحية لتسكن الناصرة. ومن بين الذين أرسلهم البطريرك، رجل يُدعى "يمّين" من إهدن في شمال لبنان، عمل ترجمانا في دير الفرانسيسكان في بلدة الناصرة ورُزِقَ بولدين هما جبرائيل وميخائيل الذي أصبح من المشايخ آنذاك. والمعروف أن مهمة الشيخ في ذلك الوقت كانت تمثيل الطائفة لدى السلطات التركيّة والتوسط لديها في النزاعات، وتقديم إحصاءات الولادة والوفاة. ومن نسل ميخائيل يميّن، الأب يوسف طنوس وكان جدّه وأبوه وعمّه من مشايخ رعية اللاتين في الناصرة.

ولد يوسف طنوس يميّن في 1 تشرين الثاني 1838 يوم عيد جميع القديسين، في بلدة الناصرة. نال سرّ العماد في كنيسة البشارة على يد كاهن الرعيّة من الآباء الفرانسيسكان. عندما أصبح في السابعة من عمره سجّله أبوه في مدرسة الرعيّة وهي أفضل مدارس الناصرة فتعلّم مبادئ القراءة، الكتابة، الحساب، اللغة الإيطالية والديانة، وكان يتأثّر بحصة التعليم المسيحي كثيرا.

في 15 كانون الثاني 1848،عيّن البابا بيوس التاسع البطريرك فاليرغا على كرسي القدس لرفع مستوى الشعب من الناحية الاجتماعية والروحيّة وللدفاع عن الأماكن المقدسة، فاستقبله الشعب استقبالا رائعا في القدس. وعندما بلغت أنباء وصول البطريرك إلى أهل الناصرة أرسلوا الشيخ طنوس خليل ليقدِّم الولاء والخضوع باسمهم للبطريرك الجديد. رافق الفتى يوسف والده الشيخ طنوس في تلك الزيارة، فاستقبلهما البطريرك ببشاشة وحرارة .وسأل يوسف إن كان يرغب بأن يصبح كاهناً فكان جوابه فوريّاً بالقبول. فبقي يوسف في القدس وكان له من العمر عشر سنوات، وعاد طنوس إلى الناصرة وحده. عندما رأت السيدة وردة والدة يوسف، زوجها عائدا دون صغيرها حزنت كثيرا، وقرّرت زيارته حالاً، محاوِلةً إقناعه بالرجوع إلى المنزل، لكنّه أبى الرجوع معها. إذ بها تقول لولدها والدمعة في عينيها:" كُن مع الله يا ولدي واخدمه كما يجب، ولا شك أنّك ستنفعنا بصلواتك".

وفي عام 1849 سافر يوسف مع رفاقه طلاّب الكهنوت إلى لبنان ليدرس في غزير. إستغرقت إقامته أربع سنوات تعمّق خلالها بمعنى الدعوة وحقائق الديانة. وفي كانون الثاني 1853 عاد يوسف إلى القدس ليلتحق بمعهد الكهنوت الخاص بالأبرشية والذي أنشأه البطريرك فاليرغا بالقرب من البطريركية اللاتينية حتى يشرف بنفسه على تربية المرشّحين للكهنوت. في المعهد تميّز يوسف بذكائه واجتهاده.

في 7 أيلول 1857 ضاق المعهد في القدس بالطّلاب، فانتقلوا إلى مقرّ المعهد الجديد في " بيت جالا " وكانت تبعد عن القدس 7 كلم.

في 30 أيار 1863، سيم يوسف طنوس كاهنا على يد البطريرك فاليرغا، وتمّ الاحتفال على جبل الجلجلة.وفي اليوم التالي، احتفل الأب يوسف بقداسه الأول على جبل الجلجلة أيضا. وفي أواسط حزيران، عاد الكاهن الجديد إلى بلدته الناصرة للاحتفال بالذبيحة الإلهية في كنيسة البشارة. وبعدها، عاد إلى القدس لتسلّم مهامه.

ومن المسؤوليات التي تولاّها تباعاً:

-       مدير للنظام في اكليريكيّة البطريركية.

-       أمين سرّ القصادة الرسوليّة في بيروت.

-       أمين سرّ البطريركية اللاتينية في القدس وممثّلها لدى السلطات العثمانيّة.

في 13 تشرين الثاني 1872 توفّي البطريرك فاليرغا وعيّنت روما البطريرك منصور براكو خلفاً له، فثبّت الخوري يوسف طنوس في منصبه كأمين سر للبطريركية. وبحكم هذا المنصب، اطّلع الأب يوسف مليّاً على كل ما يعانيه الكهنة في إرسالياتهم وخصوصا من جرّاء جهل المرأة. وفكّر بالحاجة لوجود رهبانيّة محليّة لرفع مستوى المرأة العربيّة دينيا وأخلاقيّاً وإنسانيّا وجعلها قادرة على تربية أولاد صالحين.

كما تولّى أيضاً مسؤولية إرشاد راهبات مار يوسف الظهور في القدس وأصبح مرشد أخوية الحبل بلا دنس للفتيات وأخويّة الأمهات المسيحيّات.

هذه الأخويات أسستها في القدس الأخت ماري الفونسين من راهبات مار يوسف الظهور.

وماري الفونسين هي سلطانة دانيل غطّاس، مولودة في القدس في 4 تشرين الأول 1843 منذ نعومة أظافرها بدأت تشعر بالرغبة لأن تكون راهبة، وحين فاتحت والدها برغبتها، رفض طلبها إذ كان على كل شابة ترغب بالترهّب آنذاك أن تغادر البلاد إلى فرنسا لمتابعة دروسها وكان ركوب البحر مجازفة كبيرة. إلا أنه رضي أخيرا بعد مشاورات وشروط وضعها دانيل على رهبانية القديس يوسف للظهور أهمها ألا تغادر ابنته أرض فلسطين أبداً. أصبحت سلطانة أولى فتيات فلسطين في الالتحاق بالرهبانية المذكورة. أُطلق عليها في الرهبانيّة إسم ماري الفونسين وقد قاسمت الأب يوسف طنوس أمله بإنشاء رهبانيّة وطنيّة وسار كلّ منهما إلى هدفه في درب مختلف. وقد خصّت العذراء مريم الأخت ماري الفونسين بظهورات توضح فيها رغبتها بتأسيس رهبانية الوردية للاهتمام بالفتاة العربيّة، كما وأرشدتها إلى من سيتولّى شؤون التأسيس وهو الأب يوسف طنوس.

وهكذا التقيا في مشروع رهباني وطني واحد، هو رهبانية الورديّة. وقد بدأ هذا الحلم يتحقّق في 24 تموز 1880،يوم التقت راغبات خمس في بيت صغير، ورغم المضايقات والتحديّات كنّ يعشن فيه بفرح وقناعة. وفي 15 كانون الأول 1881 منحهنّ البطريرك براكو الثوب الرهباني. وفي تموز 1883 انضمّت الأخت ماري الفونسين إلى المبتدئات في رهبانيّة الوردية بعد أن أُعفيت من نذر الطاعة لرهبانية القديس يوسف الظهور، فأصبحت الراهبة العاشرة في الوردية. وكانت قد دوّنت بالتفصيل كل الظهورات بناءً لطلب مرشدها الأب يوسف طنوس، إلا أنّ أمر الظهورات بقي سرّاً إلى ما بعد وفاتها..

استدعى الأب يوسف الأم روزالي وهي راهبة من راهبات الناصرة، وعيّنها كمعلمة للمبتدئات، فأوكل إليها أمر تربية الفتيات وتدريبهنّ على الحياة الرهبانيّة ريثما تصبحن قادرات على تحمّل مسؤوليات الرهبانيّة بأنفسهنّ.

وفي 7 آذار 1885 أبرزت المبتدئات النذور الرهبانيّة الثلاثة وكنّ 9 فتيات. وفي سنة 1891 تمّ أوّل انتخاب في الرهبنة وكانت الأم حنة غطاس أول رئيسة عامّة في الرهبانيّة.

كان الخوري طنوس يهتمّ بنفسه بتنشئة الراهبات وبتدبير أمور الرهبانيّة. وقد تميّز بشخصية قياديّة ربّما ورثها عن والده الشيخ تزيّنها فضائل عديدة حاول بثّها في راهبات الورديّة وهذا يظهر جليّاً من خلال رسائله.

 

فمن قراءتنا لخطّه وأسلوبه المنطقيّ وتعبيره بكلمات وجيزة عن أفكاره، يمكننا استنتاج الاتّزان في شخصيّته والمزاج الثابت والثّقة بالنفس.

ومن أبرز فضائله، تواضعه رغم علمه والمناصب التي توّلاها. ويظهر من أقواله مدى اعتباره هذه الفضيلة أساسية للنمو في الحياة الرهبانيّة، فهو ينصح الراهبات تكراراً باكتساب هذه الفضيلة، فها هو يقول للأخت كلير في رسالته لها في 5 أيار 1886 : " ... لا سيّما في اكتساب فضيلة التواضع التي مهما تقدّمنا فيها لا يكفينا وقدر ما نمارسها تكون دائما ناقصة فينا."

كان يحترم كل الناس؛ بدءاً من غبطة البطريرك الذي يكنّ تقديراً عميقا لشخصه ورسالته كما نرى في رسالته إلى غبطته بتاريخ 16 كانون الثاني 1867، وكان يوصي راهباته باحترام غبطة البطريرك والالتزام بقرارته وبمعايدته (رسالة إلى الأخت تريز في 20 كانون الأوّل 1886 وإلى الأخت لويز في 20 كانون الأوّل 1886). كما يوصيهنّ باحترام كهنة الرعايا وطاعة مطالبهم.

أما بالنسبة إلى الرئيسة العامة، فكان يطلب من الراهبات مراسلتها باستمرار وإعلامها بكلّ ما يحصل في إرساليّاتهنّ. ففي رسالته إلى الأخت فيلومين بتاريخ 8 كانون الأول 1887 يوصيها : "... وأما نظرا للرئيسة نعم كلما حدث عندكم حادث مهم أو كلما صار لكم فرصة حرّري لها مفصّلاً ولا بأس إن لكم يكن عندك وقت وفرصة تحررّي لي". وفي رسالته للأخت رجينا بتاريخ 16 تشرين الأول 1888، يوصيها " بإعطاء الخبر للرئيسة " حول تعديل موعد الاعترافات وصلاة الجزء الأول من المسبحة .

ويطلب الخوري يوسف طنوس من الراهبات احترام طالبات المدرسة والسهر على تربيتهنّ و تعليمهنّ في المدرسة، كما نرى في رسالته إلى الأخت رجينا بتاريخ 19 شباط 1891.

من أبرز مميّزاته أيضا، حبّه الفائق لمريم العذراء وللقديس يوسف شفيعه، وكان يدعو الراهبات لطلب شفاعة مريم والالتجاء إليها دوما كما نرى في العديد من رسائله، كرسالته إلى الأخت فيلومين في 4 تشرين الثاني 1885 وإلى الأخت كلير في 5 أيار 1886، وفي رسالته إلى الأخت تريز في 8 كانون الثاني 1888 إذ يقول لها: "... وهذا بنعمته تعالى وبشفاعة سيدة الوردية أمّك. فكوني لها ابنةً مع رفيقتك وهي تعاملك معاملة الابنة وتحصلي من ثمّ على غاية ما يرام من النعم الإلهية والبركات السماويّة."

وفي معظم رسائله، نتلمّس استسلامه الكليّ للمشيئة الإلهيّة واتّكاله على العناية الإلهيّة في تدبير شؤون الرهبانية وتخطّي الصعوبات وحلّ المشكلات العالقة. فها هو يجيب الأخت رجينا على شكواها من عدم ارتياح الراهبات مع خوري الرعيّة في رسالة 18 نيسان 1888 فيقول:" ولكن يجب أن نرفع ألحاظنا إلى ما فوق ونتأكد أن كلّ هذا من تدبير العناية الإلهية إلى خيرنا وخير المختارين، فإن الإنسان يكمل في التجربة وهي وحدها تجعله أن يتقدّم في الروح". ويقول لها في رسالة أخرى في 30 كانون الثاني 1888 :" أراد الله أن يجرّب أصفياءه وهو يمنح النعمة لاحتمال التجربة والامتحان."ا

  

وهكذا لا نجد تقريبا أيّ رسالة تخلو من عبارات الاتكال على الله والاستسلام لمشيئته تعالى.

أما في معاملته للراهبات، فإننا نجد في الخوري يوسف طنوس الأب الحنون المحبّ والحازم المؤنّب معاً.

فنراه مرارا عديدة يسأل عن صحة راهباته الجسديّة والروحيّة ويعطيهنّ في حال المرض النّصح الملائم لشفائهنّ ويوصي أخواتهنّ بالسهر عليهنّ وإعطائهنّ العون اللازم. ففي رسالته إلى الأخت فيلومين في 11 نيسان 1886، يطمئن على صحتها: " إن شاء الله تكوني اكتسبت صحتّك، وعند حضورك وقّي من الشمس لئلا تنضرّي."        

ويوصيها في رسالة أخرى في 27 أيار 1887 بالاهتمام بالأخت لويز " لكي تحصلي على تمام الشفاء ". وفي رسالته إلى الأخت روزا في 8 كانون الأول 1887، يبدأ بالاطمئنان عن صحتها والطلب منها أن تأخذ العلاجات اللازمة، ثمّ يكمل رسالته بإسدائها النصائح لدعمها روحيّا ولثباتها.

ومن جهة أخرى، كان يسهر على تربية الراهبات روحيّاً وعلميّاً. وكان يحثّ الراهبات على الاجتهاد والتقدم في العلم والروح الرهباني كما في رسالته إلى الأخت فيلومين في 4 تشرين الثاني 1885، ويحثّهنّ أيضا على حبّ الرهبانية، ففي رسالته إلى الأخت تريز في 11 كانون الأول 1886 يقول لها :" وما عدا ذلك فمن يحبّ خير أمه الرهبنة يفضّل خير أمّه هذه الذي هو الخير العمومي على خيره الخصوصي الشخصيّ".

وفي معظم رسائله، يركّز على الالتزام بالقوانين، كما يقول للأخت رجينا في 4 أيلول 1888 " ولكن قبل كلّ شيء إياكم والقوانين، ثابروا على حفظها بكلّ تدقيق ونشاط لئلا يتلاشى الروح الرهباني فإن هذا ما يهمّني أكثر من كلّ شيء وهو أساس نجاح الرهبنة في الروحيّات والزمنيّات".

وكان يحرص على تهنئة الراهبات وتشجيعهنّ عند نجاحهنّ أو تقدمهنّ، ويحثّهنّ على المثابرة في عيش الفضيلة ونقلها للآخرين كما في رسالتيه إلى الأخت لويز في 23 كانون الأوّل 1885 و24 نيسان 1886.

هكذا، كان الأب يوسف طنوس يزرع في راهباته الروحانيّة التي طلبتها مريم العذراء، وكان يطمح في أن تكون راهباته كاملات وأن يتجنّبن حتى أصغر النقائص، وأكثر العبارات تكراراً في رسائله هي " الروح الرهباني " التي متى امتلكتها الراهبة، امتلكت معها كل شيء وأمكنها صنع العجائب في ذاتها وفي الآخرين.وكان لكلام الأب يوسف تأثير كبير على الراهبات، لأنه كان يعيش ما يقول وبخاصّة في ما يتعلّق بالصلاة والفقر، روح الإماتة والاتّكال على العناية الربانيّة، التواضع وممارسة الطاعة لمشيئة الله بفرح ويقصد الطاعة السريعة والتّامة التي تخلو من التذمّر والنكد. كما كان يعتبر صحّة الراهبات مهمّة جدّاً لكونها لا غنى عنها للعمل في الرسالة ويدعوهنّ للاهتمام بأنفسهنّ جيّداً.   

بعد مرور تسع سنوات على تأسيس رهبانية الوردية والتأكد من انطلاقتها وتنظيمها، بدأ المؤسس يفكّر ببناء الدير الرئيسي تلبية لرغبة مريم العذراء في ظهوراتها للأم ماري الفونسين. فعثر لهذه الغاية على قطعة أرض في حيّ ماميلا خارج أسوار القدس فابتاعها متّكلا على قدرة العذراء وعطايا المحسنين. وفي نهاية أيار سنة 1889، وُضِعَ حجر الأساس لإنشاء الدير الجديد وفق التصميم الذي أعطته مريم العذراء للأم ماري الفونسين في إحدى الرؤى. إلا أنّه لم يتمكّن من إتمام هذا المشروع بنفسه، ففي عام 1891، بدأ المؤسس يشعر بألم في رأسه وانتفاخ في رجليه، لكنّه لم يكفّ عن العمل إلا عندما اشتدّت عليه وطأة الداء. ففي أواخر شهر نيسان سنة 1892، أصيب بمرض الكلى وأوصاه الأطبّاء بالذهاب إلى طبريا للاستشفاء في مياهها الحارّة. ونظرا لتدهور وضعه الصحي، لم يعد بإمكانه متابعة الإشراف على بناء الدير الجديد، كما أنه كان يشعر بدنوّ أجله، فوّض أخاه خليل الإشراف على بناء دير الورديّة. ثمّ انطلق في رحلة زار فيها أديار نابلس والزبابدة ويافا الناصرة، وتفقّد أحوال الكهنة والراهبات. ومن يافا الناصرة كتب رسالة إلى الأم حنّة يطلب منها ومن الراهبات الصلاة لأجله (رسالة 11 حزيران 1892). وفي 25 حزيران 1892، ذهب إلى طبريا للاستفادة من مياهها المعدنيّة. إلا أنّ هذا العلاج لم يمنحه النتيجة المرجوّة، فترك طبريا في 5 تموز متوجّها إلى الطابغا حيث أمضى بضعة أيام في ضيافة أحد كهنة البطريركيّة، ومن هناك كتب للأم حنّة في 12 تموز مشجّعا إياها على الاستسلام للعناية الإلهيّة في إدارة أمور الرهبانيّة وطلب منها أن تصلّي لأجله بشكل خاص.

وكان ينوي العودة من هناك إلى القدس، إلا أن حجرا صحيّاً كان قد فُرضَ على مدن الجليل لإصابتها بالهواء الأصفر، فاضطر للعودة إلى الناصرة فأقام عند والدته العجوز. وفي 3 آب تحسّنت حاله قليلاً فكتب للأخت لويز جوابا على رسالتها، فأعلمها بتحسن صحته، وعبّر عن استسلامه للعناية الربانيّة. لكنّ صحّته انهارت من جديد في عيد العذراء الموافق 15 آب فطلب استدعاء الأم حنه إلى الناصرة، ليرتّب معها أمور الرهبنة قبل رحيله الذي تمّ، حسب ما أنبأ به، صباح الجمعة 30 أيلول 1892. وقبل وفاته ببضع ساعات، وصل كاهن رعيّة الزبابدة ترافقه الأم ماري الفونسين وراهبة أخرى. وبعد أن بارك جميع الراهبات اللواتي كنّ يصلين بقربه، طلب إخلاء الغرفة، وانفرد بالأم ماري الفونسين لساعة تقريباً أطلعها فيها على رغباته الأخيرة بما يخص الرهبانيّة، وهي التي كانت قادرة على فهمها أفضل من أية راهبة أخرى. وبعد أن صلّى له الكاهن صلاة المحتضرين، اسلم الروح متمتماً كلمات المسيح على الصليب:" بين يديك يا رب أستودع روحي". ولم يكن له من العمر سوى أربعة وخمسين عاماً.

أقيمت مراسم دفنه يوم السبت في كنيسة الناصرة التي نال فيها سرّ العماد.

في 15 تشرين الأول، وجد كهنة البطريركية في غرفة الأب يوسف وصيّته الأخيرة. وفيها يعبّر عن مدى عرفانه بالجميل وشكرانه لله ولمريم أمه على كل ما منحاه من النعم، كما يظهر جليّاً حبّه الكبير لرهبانية الوردية وللبطريركية اللاتينية. ويوصي راهباته " بحفظ القوانين والفرائض حفظا مدقّقا" ، وبالتحلّي بالفضائل.

فكان مكتوب فيها...

" بناتي العزيزات،

لا خفاكنّ ما افتقدنا به المولى سبحانه وتعالى بمراحمه الإلهية من المرض وما قاسيناه من الأوجاع والألم الشديد بنوع أنه اتصل بنا المرض لدرجة الخطر المبين ومع كل ذلك كنا مطمئنين أن صلواتكنّ الحارّة تتصاعد كالبخور الزكي لعرش سيدة الوردية لتستميل العزّة الإلهية لصوبنا وتنشلنا من وهدة الخطر وتردنا للصحة التي كان قصدنا أن نصرفها بصالح الرهبنة عموما وأفراداً. غير أنه وجدنا أن أحكام المولى ومقاصده ليست مطابقة أفكارنا ومقاصدنا بل شاءت إرادته الإلهية أن تنقلنا من هذه الدنيا إلى الآخرة فعليه سلمنا إرادتنا تسليما تاما للإرادة الإلهية بكل طيبة خاطر وبدون أدنى معارضة إنما نؤكد لكنّ أنه ونحن على فراش الموت كنا غير مبالين بالأوجاع المحيطة بنا وكل فكرنا كان مستغرقا بمستقبلكنّ وبما أصابكنّ انشغال البال وقلق الخاطر والحزن القاصف فما وجدنا سبيلا لتعزيتنا إلا أن نقدّم ذاتنا وحياتنا ضحية لتكون أساسا للرهبنة مستودعين إياكنّ لسيدة الوردية وللمراحم الإلهية وهي التي استخدمتنا كآلة لتأسيس هذه الرهبنة فهي أيضا توجد لكنّ من يكون أوفر عزما منّا وأعظم استعدادا لمتابعة هذا العمل ونجاحه. فنأمل منكنّ أيضا تسليم إرادتكنّ تسليما تاما لمشيئته تعالى وأن تقدمّن لعزته الإلهية هذه الكأس وتشربنها بدون تكرّه وبكامل التشكر راجين منكنّ الذكر الدائم بصلواتكن لتخلصنا من العذابات المطهرية وتوصلنا للسعادة الأبدية حيث لا نفتر من التوسل للحق سبحانه وتعالى ولسيدة الوردية كي تظللكنّ بسوابغ نعمه الإلهية ولنا الأمل الوطيد أن نحتفل بعيدة سيدة الوردية القادم بملكوت السموات بين الطغمات الملائكية. والآن لا يسعنا الأمر أيتها العزيزات إلا أن نوجه إليكنّ وصيتنا الأخيرة التي نرغب أن تحفظنها بفؤادكن وهي:

1-  لا تستغرقن بالحزن الزائد بمفارقتنا هذه الحياة الفانية لأنها ليست بموطن لنا والحزن الزائد لا يليق بمن هو مثلكنّ متشح بالاسكيم الرهباني كما يقول الرسول: لا يكن حزنكن كمن لا ايمان فيه.

2-    ابذلن الجد والجهد بنجاح الرهبنة بواسطة المحافظة على القوانين والطاعة لرؤسائكن وممارسة الفضائل.

3-    اجعلن أساس مسيركن المحبة المتبادلة لبعضكن بعضاً والاتفاق التام أنه حيث الاتفاق فهناك القوّة.

أخيرا الثقة التامة بالمراحم الإلهية وشفاعة سيدة الوردية فإنها هي وحدها بدون مساعدة مخلوق قادرة على تثبيت ونجاح ونمو الرهبنة وتأكدن أن وجودنا ليس بضروري بل كان كآلة حقيرة بين يديه تعالى وهو قادر على إيجاد آلة أكثر فاعلية منا لهذا العمل الذي لنا الأمل الكلي بنجاحه أكثر مما نجح بمدة حياتنا. فاقبلن إذا أيتها الأخوات العزيزات هذه الوصية الأخيرة الموجهة إليكن من أبيكنّ ومؤسسكنّ وهو بحال الانحلال من فقر الدم وشدة المرض واحفظنها بقلوبكنّ وسرن على موجبها بكامل الدقة وعربونا لمحبتنا الوالدية لكنّ عموما وأفراداً نهديكنّ عن بعد وعن فراش الموت البركة الأخيرة الأبويّة من صميم الفؤاد.

بسم الآب والإبن والروح القدس وبشفاعة سيدة الوردية.

سنة 1899، تلبية لرغبة أبداها في وصيّته، نقلت رفاته إلى القدس ووضعت في القبو الذي شيّدت فوقه كنيسة سيدة الوردية. ويعلو القبر اليوم تمثال نصفيّ للأب يوسف.

إن الكنيسة عموما ومسيحيّي الأراضي المقدسة خصوصا بحاجة دائماً إلى كهنة على مثال الأب يوسف طنوس، يكونون خدام أوفياء للهيكل، مبشرين بالكلمة وعاملين بها، رعاة أمينين يبذلون نفسهم - كالراعي الصالح - في سبيل خرافهم.

فالأب يوسف آمن بسمو الفضائل الإنجيلية وعلى رأسها المحبة، فعلّمها وعاش وفقا لها.

وها هي البذور الصغيرة التي ألقاها الأب يوسف طنوس في الأرض المقدسة منذ سنوات عديدة، وفقا لما أوحت به العذراء إلى الأم ماري الفونسين، تصبح اليوم شجرة باسقة تمدّ أغصانها إلى مناطق شتّى وتحمل ثماراً شهيّة:

-       ففي مجال التعليم والتربية، تشرف الرهبانيّة على مدارس كثيرة ذات مستويات مختلفة.

-       وعلى الصعيد الإنساني تعمل الراهبات في خدمة المرضى في عيادات صحيّة ومستشفيات هامة.

-   أما من الناحية الراعوية فتؤمّن الرهبانيّة خدمة معظم إرساليات البطريركية اللاتينية وأبناء الكنيسة المحليّة حيث هي متواجدة.

انتشرت رهبانية الوردية في فلسطين، الأردن، لبنان، روما، دول الخليج العربي، سوريا ومصر.

هذه كانت نبذة عن حياة الأب يوسف طنوس، وأبرز مراحل تأسيس رهبانية الوردية .

في الختام نرفع إلى أبينا السماوي دعاء حارّاً من أجل أن يمجّد الأب يوسف طنوس على الهياكل.

عدد رسائل المؤسس التي وصلتنا

من سنة 1884 حتى 1892

سنة 1867- رسالة واحدة

سنة 1884- رسالتان

سنة1885- 13 رسالة

سنة 1886- 24 رسالة

سنة 1887- 36 رسالة

سنة 1888- 45 رسالة

سنة 1889- 58 رسالة بينهم 3 رسائل تفويض

سنة 1890- 35 رسالة

سنة 1891- 45 رسالة

سنة 1892- 28 رسالة

  رسالة مجهولة

العدد العام 288 رسالة

من كتاب رسائل الخوري يوسف طنوس يمّين إلى راهبات الوردية (1884- 1892)

    جمعتها ونسقتها الأخت لودوفيك بوطانوس من راهبات الوردية.