الرئيسية

 

زمن المجيء: اسهروا!

 
 
 

منذ بدء الخليقة وخاصة بعد خطيئة آدم وحواء، وعد الله تعالى بإرسال مخلص للبشرية، فأرسل الآباء مثل ابراهيم ويعقوب واسحق، والأنبياء مثل موسى وأشعياء وارميا، وأعطى الشعب اليهودي النبؤات والكتب المقدسة لكي يحضّر لمجيء هذا المخلص الذي سيخرج من نسل آدم وحواء ومن أصل داود الملكي. وقد تحقق هذا المجيء التاريخي عندما تم "ملء الزمان" بولادة سيدنا يسوع المسيح في مغارة بيت لحم من مريم العذراء بقوة الروح القدس، وهذا ما نسميه المجيء الأول أو التاريخي الذي تم في الزمن الماضي قبل ألفي سنة وفي بلادنا بالذات. لقد تم هذا الحدث العظيم في الماضي وقلب التاريخ وغيّر وجه الأرض، فكان المفصل أو المحور الذي قسم ما قبل المسيح عن ما بعده، وكان نقطة انطلاق جديدة في التاريخ البشري.

ولكننا نؤمن بأن السيد المسيح سيأتي في نهاية الأزمنة عند نهاية العالم ليدين الأحياء والأموات، وهذا ما نسميه "المجيء الثاني" أو "المجيء الأخروي" الذي سيتم في المستقبل، علماً بأن لا أحد يعرف متى سيحدث هذا، فالسيد المسيح ذاته قال "لا أحد يعرف الوقت ولا الساعة" وأعطى تشابيه كلها تدل على أنه سيتم بغتة وفجأة وفي ساعة لا يعلمها أحد، فتارة يقول بأن الوقت سيأتي في الليل مثل اللص السارق، وتارة يقول بأنه سيكون بسرعة وفي لمحة بصر كما البرق، وحيناً يقول بأنه سيأتي فجأة كما تداهم ساعة المخاض والولادة المرأة الحامل. لذلك يوصي بالسهر والاستعداد والانتظار لكي لا يأتي الرب فيجدنا نائمين: "وما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا". إن مجيء المسيح أمر محتوم وإن لم نعلم الساعة، وأن لا مفرّ من المثول بين يديه في ساعة معلومة لديه. لذلك لا بدّ من الاستعداد لتلك الساعة بالعودة إلى الله بالتوبة وبانتظاره في الصلاة والاشتياق إليه على الأمل والرجاء: "كما يشتاق الأيّل إلى جداول المياه، كذلك تشتاق إليك نفسي يا الله".

 

 

وبين المجيء الأول التاريخي في الماضي والمجيء الثاني الأخروي في المستقبل نعيش نحن الآن وهنا في الحاضر وننتظر مجيئه في حياتنا هذه السنة وفي بلادنا وفي هذه الظروف العصيبة، وهذا ما نسميه "المجيء الحالي" الذي يتم كل سنة لدى احتفالنا بعيد الميلاد، لأن الذكرى تفيد للعبرة وهي أن الله يريد أن يولد في حياتنا وفي قلوبنا، وأن ميلاده يتجدد كل سنة في العالم وفي بلادنا، فبدلاً من مغارة بيت لحم التي حوته طفلاً صغيراً قبل ألفي سنة، فإنه يريد أن يولد في مغارة قلوبنا وفي مغائر بلادنا وعالمنا الباردة الرطبة المظلمة الظالمة لكي يعطيها ضياء من نوره ودفئاً من ناره وبراءة وعدالة من نبع حبه وسلامه.

 
 

 

إن المجيء الأول جاء وانتهى وهو مجيء الله نحو الإنسان للقائه، والمجيء الثاني سيتم حتماً وهو مجيء الإنسان في حضرة الله للقائه، أما المجيء الحالي فهو أكثر إلحاحا بالنسبة لكل واحد منا لأنه يعني لنا تجسد الله في حياتنا نحن لا غيرنا، بحيث يصبح ميلاده ميلادنا نحن لحياة جديدة. فالسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا أنتظر هذه السنة بالذات؟ ما هي الأشياء الضرورية والجميلة التي أود أن تولد في حياتي؟ وفي حياتنا الجماعية والعامة: ما هي انتظارتنا؟ ما هي انتظارات عالمنا وبالخصوص بلادنا؟ كلها أسئلة بحاجة إلى أجوبة شخصية إذا أردنا أن يحدث شيء مميز في حياتنا ولا يمر هذا المجيء ويتم هذا الميلاد وكأن كل شيء عادي طبيعي.

 لذلك ينبهنا السيد المسيح في الإنجيل بقوله: "احذروا واسهروا، لأنكم لا تعلمون متى يحين الوقت" لذلك لا بد للإنسان المسيحي أن يكون على أهبة الاستعداد، أي انتظار الرب على السهر والصلاة، وانتظار الرب هو عمل الحياة كلها، ولا ينبغي للرب أن يجيء ونحن نغطّ في سبات عميق لئلا يحتوينا من الأبدية ليل رهيب لا يسطع فيه نور ولا يلوح لنا فيه رجاء. وهذه الدعوة تعني أن نستعد لمولد المسيح استعداداً مسؤولاً، نرى فيه أنفسنا على حقيقتها من الذل والهوان ونلقي بأنفسنا بين يدي الله في إيمان وانسحاق ونسعى وراء المسيح بلهف وشوق وحب وحنين ونحن لا نلتفت إلى شيء من متاع الدنيا فلا تحجبنا دنيانا عن آخرتنا بل تكون باباً إليها وجسراً يوصل بينها.

 زمن المجيء هو الزمن الذي يعبئ فيه المؤمنون طاقاتهم الروحية، ويجددون مقاصدهم الحسنة ويستفيقون من سباتهم العميق ويستعدون لمولد الرب وقد أصبح وشيكاً. ومولد الرب يختلف عن كل مولد: إنه مولد الخلاص والحياة؛ إنه مولد الحرية والانعتاق، إنه مولد الإنسان إلى حياة جديدة.