English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي ...

 
 

 

 

 

انقضت المحنة التي اختبر الله بها أمته على يد مرشدها الروحي؛ فهدأت روحها واطمأن بالها، فراحت تمارس أعمال الرسالة بإخلاص وسرور. وساندها الله بتعازيه الرقيقة وزارتها مريم العذراء بظهورات علّمتها فيها أموراً كثيرة تخصُّ الرهبنة الجديدة: شأنها في ذلك شأن معاصرها القديس يوحنا بوسكو الذي كشف له الله مراراً عن رغباته في الأحلام.  

وها نحن أولاء نستقي المعلومات التالية من مذكرات كتبتها الراهبة ألفونسين نفسها بناء على أمر مرشدها الأب يوسف طنوس، مؤسس الرهبنة أيضاً. قالت في مذكراتها:

"ورأيت ليلة كأني في دير الوردية ومريم البتول أمي معي متوشحة بثوب راهبة الوردية مثلنا، وعدة راهبات وبنات في خمسة عشر صفاً، في كل منها تقف أمي البتول في وقت واحد. وكنت أراها بالقرب مني تحادثني قائلة: "الآن نصنع هذا ثم نصنع هذا". فكان يتمُّ كل شيء طبقاً لأمرها. وكنت في تلك الرؤيا أحسب أني سكنت الدير زماناً طويلاً، أتلو مع الراهبات صباحاً جزءاً من الوردية أعني أسرار الفرح، ونتلو عند نصف النهار أسرار الحزن وعند المساء أسرار المجد. وكانت الراهبات يتلون الوردية بالمناوبة، كل واحدة بدورها ساجدة أمام مذبح سيدة الوردية. وينتهي النهار بتلاوة فرض السيدة الصغير، أعني فرض القديس بونافنتورا لمنال الميتة الصالحة".

"وكنّا ننهض نصف الليل وأمنا مريم البتول معنا منتصبة على مذبح بهي لامع، فنتلو جميعاً الوردية كاملة ونرتل السلام الملائكي ونعود إلى النوم حتى الصباح. وكانت تُنشد في الدير دائماً أنغام مستعذبة. وفي يوم الأربعاء والسبت كان يصير صوم خصوصي إكراماً للوردية. وبعد هذا شعرت بأن أمي أمسكت بيدي وقالت لي: " اصنعي مثلما نظرتِ". ثم أمسكتني شديداً وقالت: "كما أني أنا أمسكت بيدك هكذا أريد أن تُتلى في الدير الوردية الدائمة ليلاً ونهاراً ". فحدقتُ إليها ورأيتها تودعني، فتشبثتُ بها بشدة محبة قلبي، وابتهلت إليها أن تأخذني معها ولا تتركني. فأنهضتني بيديها إذ كنت جاثية على قدميها وشجعتني قائلة: "ستأتين معي بعدئذٍ عندما تتممين إرادة الله وإرادتي وتصنعين كما رأيت وكما أوصيتك به. واعلمي، يا ابنتي، أنه يصير ابتداء عمار دير الوردية في القدس بعد خمس عشرة سنة. أما أنتِ فبعد أن تكوني قد تعذبت واحتملتِ كثيراً من ذات الراهبات الوردية ستأتين معي". قالت هذا وباركتني وانصرفت. فانتبهت كأني محاطة بنور عظيم وطفقت أتلو صلوات لفظية حارة متضرعة إلى أمي الحبيبة أن توفقني في تتميم إرادتها. آه! يا أمي، ترى من يفهمك، بل من يمكنه أن يدرك جودتك وشفقتك على بنات جنسك ولا سيما على الحائرات في أمر عيشتهن؟".

" ويوم السبت بعد انتباهي من النوم، أخذت أتأمل أسرار الوردية واستغرقت في التأمل من دون أن أشعر أني كنت مختطفة بمحبة مريم، فرأيت كأني في دير الوردية أمام مذبح أمي. وكأن عدة راهبات وبنات معي نتأمل معاً سر تقدمة يسوع إلى الهيكل. وقبل أن يبدأ القداس نظرتُ ابنة صغيرة تدخل من الباب إلى الدير. وقد أمسكتْ أمي مريم بيدها ويدي. فدرنا بها الدير وقدمناها للكاهن، والكاهن قدمها لله أمام المذبح الذي كانت واقفة عليه أمي البتول والسبحة الوردية على يديها. فخرّت تلك الابنة جاثية على قدميّ أمنا مريم البتول وقبلتهما. ثم طفقت تتلو السلام الملائكي حتى كررته ألف مرة. وكنت أسمع إذ ذاك نغمات الملائكة يتلون معها "السلام" ويعدّونها المرة بعد الأخرى".

"وكانت حينذاك خيمة بيضاء متلألئة بأشعة بهية خرجت من لدن أمي البتول ووقفت فوق هامة تلك العذراء المتوشحة بثوب راهبات الوردية. وكانت البتول مريم تسكب عليها رويداً رويداً صبغة من الفضائل السامية التي تزين الأنفس المستعدة لقبول مواهب مريم أمي. وعند نهاية "السلام" الألف انحدرت أمي الحبيبة وأمسكت البنت بيدها اليمنى وأمرتني أن أمسك يدها اليسرى؛ وهكذا سرنا ما بين أناشيد الملائكة المحيطين بأمنا حتى بلغنا مذبحاً مزداناً بأفخر زينة توجد عليه صورة العذراء سلطانة الوردية طبقاً للصورة المثبتة آنفاً. وكان المرشد المختار من البتول واقفاً هناك. فرحّب بالابنة ووشّحها بثوب الرهبنة وباركها باسم الآب والابن والروح القدس. ثم أخذ الوردية من يد البتول أمي وطوّق بها عنقها ووضع يديه على رأسها قائلاً: "أثبتك باسم أفراح مريم البتول وباسم أحزانها وباسم أمجادها". ثم كلل هامتها بإكليل من ورد. ثم طفنا حول المذبح الشريف بين أناشيد الراهبات ترافقنا أمنا الحلوة والمرشد الأمين. وكانت أصوات سماوية ورائحة عطرية ولذّات سماوية تشغف الفؤاد شغفاً جعلني أغيب عن الوجود. ثم شعرت بأن أمي البتول تقويني قائلة: "قد جرى هكذا أمامك وبك لتفهمي أنه على هذا النمط ينبغي أن يكون دخول البنات في رهبنتي. هل فهمتِ؟"، وبعد هذا رأيت تلك الراهبة الجديدة منفردة تصلي عاكفة طول النهار على الصوم والصلاة ومحبة أمنا مريم البتول".

"وكنت ساكنة زمناً طويلاً في الدير أنظر فيه مذبحاً مزيناً لأمي سيدة الوردية وراهبة ساجدة أمامه تتلو السبحة ثم تأتي غيرها وتعمل عملها بالمناوبة ليل نهار. وكانت أمي البتول تكرر القول بأنه يلزم أن تكون الوردية الدائمة في الدير، وردية دائمة تتلوها راهباتي والبنات. وكنت أشاهد الراهبات قاطبة يمارسن طاعة تامة إكراماً لأسرار فرح أمي وفقراً جزيلاً إكراماً لأسرار أحزانها وعفة وطهارة نقية إكراماً لأسرار أمجادها. فكنّ بهذه الفضائل الثلاث يكرمن سيدة الوردية، فتبتهج بذلك وتزين أنفسهن بالمواهب السماوية وتسكب على أغلبهن استعداداً وسهولة ورغبة للسير في طريق الفضيلة والكمال".

 

??????

وصف السر الخامس من أسرار الفرح يسوع الصبي وقد ترك والدته والقديس يوسف وبقي في الهيكل بين العلماء. ثم كيف أنه أعاد الهدوء والطمأنينة إلى قلبيهما حين أتى الناصرة معهما بعد ثلاثة أيام من العذاب المرّ.

وهكذا فإن الطالبة التي شاهدتها الأخت ألفونسين في الرؤيا تركت هي أيضاً كل شيء في العالم لتقف ذاتها على خدمة الله. كما ستحذو حذوها فتيات كثيرات تاركات أسرهن ليعشن لله في أسرة جديدة في أسرة مريم .

ثم إن الله، في هذه الفترة، قد أعاد الهدوء والسلام إلى نفس ألفونسين بعد مرارة الفراق التي ذاقتها طيلة المدة التي عاشتها تحت وطأة جفاء مرشدها الروحي وقساوته.