English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

الأم الفونسين وسر البشارة

 
 

 
 

 

مقدمة

من الجميل أن نرى مدى التطابق بين مراحل حياة الأم الفونسين و أسرار الوردية الخمسة عشر. إنه إطار جميل حريّ بأن يحيط بقصّة من وقفتْ عمرها للوردية ونذرت قواها لإبراز رهبنة الوردية إلى حيّز الوجود.

لذا على مدار هذه السنة والتي سنحتفل فيها بتطويب مؤسستنا سنتأمل معكم من خلال موقع رهبانية الوردية المقدسة بحياة المؤسسة الأم ماري الفونسين على ضوء أسرار الوردية .

 

الأم الفونسين وسر البشارة

"ها أنا أمة الرب"

 

سلطانة_مريم ابنة دانيال غطاس هي تلك الابنة التي اختارها الله لتكون المؤسسة لأول رهبنة عصرية في بلاد الشرق تختص بها بنات الشرق:  هي رهبنة الوردية المقدسة. تنحدر سلطانة من أسرة غطاس وهي أسرة عربية مسيحية من القدس اشتهرت بالتقوى وبالخدمات الجلّى التي أدتها للرهبنات الأوروبية المنتشرة في فلسطين؛ كما عمل كثيرون من أبنائها تراجمة للآباء الفرنسيسيين لدى السلطات التركية الحاكمة. فلا عجب إذا نظر الله إلى مثل هذا الإخلاص العظيم وكافأه بنعمه الوافرة!

اختصّ دانيال غطاس سلطانة الوردية بتعبّد مخلص لها: فكان، في كل مساء، يجمع الجيران والمعارف أمام صورة العذراء فيضيء لها الشموع ويحرق البخور ويتلو وإياهم صلاة السبحة الوردية.

واعتاد كذلك أن يذكر مراراً النفوس المطهرية في صلاته، وهي عادة تستحق الثناء، فما زالت متّبعة عند مسيحيّ القدس إلى أيامنا الحاضرة؛ ولم يندم دانيال على عادته هذه لأن النفوس المطهرية أيضاً كثيراً ما هبّت إلى مناصرته في وقت الشدة بصورة غريبة ومحسوس بها. ففي ذات يوم كانت أسرة دانيال تقضي أيام الصيف في قرية عين كارم المجاورة للقدس، وكان هو منصرفاً إلى أعماله في القدس لتأمين معيشته. فبلغ سمعه أن شِجاراً قد نشب بين سكان عين كارم، فشعر أن أسرته في خطر وساورته المخاوف لمصيرها، فقام مسرعاً وغادر القدس، وكان الزمن مساء. ومعلوم أنها كانت مغامرة حافلة بالمخاطر أن يبقى أحد سكان القدس مساءً خارج أسوارها بعد إغلاق أبوابها. فاتكل دانيال على مريم العذراء والأنفس المطرية وباشر مسيرته وهو يتلو السبحة الوردية من أجل النفوس المطهرية بحسب عادته. وما إن بلغ مشارف قرية عين كارم حتى لقي أحد أصدقائه فسأله:

-       ما وراءك؟ ما هي أخبار البلدة؟

-        فأجابه هذا: عد حالاً من حيث جئت: فأنت في خطر.

-        وما هي أخبار أسرتي؟

-        إن أسرتك في أمان. إلا أن هناك من يطلب قتلك أنت. فانجُ بنفسك.

 

لا بدَّ له إذاً من العودة تواً إلى القدس للإفلات منهم. فقفل راجعاً وهو يخال أنه يسمع صوتاً كصوت جيش يتبعه. فما كان منه إلا أن أسرع الخُطى وهو يتلو السبحة الوردية إلى أن بلغ دير "المصلّبة" (دير الصليب) الذي يبعد عن القدس مسيرة نصف ساعة. فقرع الباب طلباً للمبيت، ففتح الباب وأطلَّ منه رئيس الدير وهو صديق لدانيال. فعرفه وهمَّ بقبوله في الدير، ولكن لما رأى جنداً عديدين يحيطون به أبى أن يُدخله الدير قائلاً:

-        لا مكان لدينا لك ولجميع من يرافقك من الجند.

-        لا جند معي، إني وحدي.

وعبثاً حاول إقناع الرئيس. فأقفل الباب في وجهه واختفى وهكذا اضطرَّ إلى قضاء ليلته في كوخ خارج المدينة ريثما تبزغ شمس الصباح.

أما كاترينا يوسف، زوجة دانيال، فكانت تضاهيه في التقوى والتعبد لمريم العذراء: فهي تحضر القداس يومياً وتتلو السبحة الوردية مع أبنائها العديدين فقد رزقها الله تسعة عشر ابناً مات أكثرهم في سن الطفولة ولم يعشْ منهم سوى ثلاث بنات وخمسة أبناء، ومات أحدهم في ذكرى دخول العذراء إلى الهيكل في الثاني من شهر شباط سنة 1925. وهو القانوني أنطون دانيال، من كهنة البطريركية اللاتينية. أما سلطانة-مريم، كبرى البنات الثلاث، فقد وُلدت في الرابع من تشرين الأول سنة 1843، أي اليوم التابع لعيد مريم العذراء سلطانة الوردية[1]. قبلت سر العماد في سنٍّ مبكرة، ثم وسمها البطريرك فاليركا بوسم الميرون المقدس في 18 تموز سنة 1852. ولا شكَّ أن هذه الفتاة التقية أخذت تشعر منذ ذلك الوقت بجاذب يجذبها إلى تكريس نفسها بكمالها لله في الحياة الرهبانية. لكن ما العمل ووالدها – شأنه في ذلك شأن جميع مواطنيه في تلك الأيام – لا يقدّر البتولية حق قدرها؟ ثم إنها لم تكن في البلاد مؤسَّسة رهبانية وطنية؛ فلا بدَّ لابنته من أن تغادر الأرض المقدسة إلى فرنسا لإتمام دور الابتداء في الرهبنة. وبات والدها مصرّاً على رفضه إلى أن فتح الله عينيه في ظروف قاسية.

 

اشتغل دانيال بالنجارة. ففي ذات يوم إذ كان منهمكاً في عمله أفلتت من يده زجاجة غاز وسقطت في النار. فانفجرت الزجاجة وعلق الغاز الملتهب بيديه. فلفَّهما بثيابه ظناً منه أنه يخنق ألسنة اللهب التي علقت بهما فتنطفئ. ولكن سرعان ما دبّت النيران في ثيابه أيضاً، فغدا النجار المسكين في لحظة من الزمن عموداً ملتهباً. وعندها ذكر مريم العذراء سلطانة الوردية واستغاث بها، وللحال تساقطت ثيابه المحترقة، فبدا جسمه سليماً لولا آثار حروق في وجهه ويديه. فأخذت ابنته سلطانة تُسعفه في أسابيع محنته بكل حبٍّ وحنان. وفيما كانت تقوم يوماً برعايته عرضت عليه قائلة:

 

-        يا أبي، لِمَ لا تعدْ العذراء أنك تدعني أدخل الدير إذا أنت نلت الشفاء؟

-        فأجابها والدها: لقد فعلت: إني وعدتُ العذراء بأن أدع جميع أولادي يدخلون الدير إذا هم أرادوا.

شُفي دانيال شفاء تاماً، وحالما عادت له قواه ذهبَ إلى الكنيسة ليقدّم للعذراء أساور فضيّة شكراً لها على إنعامها، كما أنه أذن لابنته في أن تنضمّ إلى راهبات القديس يوسف بشرط أن تعاهده الرئيسات خطيّاً على ابقائها دوماً في الديار المقدسة.

 

كرّست سلطانة بتوليتها لله، على مثال مريم العذراء، تحت حماية القديس يوسف. وعلى مثال مريم العذراء أيضاً كانت سلطانة من أُوليات من كرسن حياتهن لله بين بنات شعبها.

 

سؤال للتفكير والتأمل؟

" ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك "

هل أنا مستعد لكي أتمم مشيئة الله في حياتي حتى لو كانت تتعارض مع رغباتي وإرادتي؟

 


[1] كانت الكنيسة تحتفل بعيد العذراء سلطانة الوردية في الأحد الأول من شهر تشرين الأول لا في السابع منه كما هو اليوم.