English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 

الأم الفونسين وجرة الزيت ( الجزء الثالث )

 
 

 
 

 

 

- الإيمان الذي يكتفي بما تراه العين إيمان ضعيف، والإيمان القوي هو الذي يؤمن بقدرة الله العجائبيّة. والإنسان البالغ إيمانياً هو الذي يؤمن بقدرة الله اللامحدودة.

هذا ما تحلّى به إيمان الأخت ألفونسين عندما كانت تقوم بنشاطاتها الروحية مع فرقها المريمية في بيت لحم وفيما بعد في الارساليات التي عملت بها سواء في فلسطين أم في الأردن. وذلك لأنها آمنت في أن عقول الصغار أكثر مرونة من عقول الكبار، لأن في مقدور المربّي الحاذق أن يغرس فيها من بذور الفضيلة ما يشاء. لذلك عزمت على بذل أقصى جهدها في زرع بذور الإيمان ومحبة الله والقريب في نفوس طالباتها. ويروى حادث عجيب يستحق الذكر جرى لها في المدرسة، فقد وضعت الراهبة في أحد الصفوف تمثالاً للعذراء وجعلت أمامه قنديل زيت يضيء ليل نهار، وضمنت تموينه إحدى سيدات بيت لحم، من عائلة صابات كانت تسكن جوار دير الراهبات، وكانت تحتفظ بجرّة الزيت في منزلها وتساعدها في المهمّة ابنتها “نجمة” إحدى طالبات المدرسة.

وذات يوم دخلت الأخت ماري ألفونسين غرفة التدريس، فوجدت القنديل منطفئا، فمضت إلى الطالبة المسؤولة وقالت لها:

- “اذهبي إلى البيت وأحضري زيتاً لإشعال القنديل”.

مضت الفتاة وعادت بعد قليل لتقول لمعلّمتها وفي لهجتها أسف شديد:

- “لم يبق زيت في الجرّة”.

- فدهشت الراهبة وألحّت على الفتاة قائلة:

- “إمضي وانظري جيداً عسى أن تجدي شيئاً ما في قعرها”.

أطاعت الفتاة، وفي هذه المرّة وجدت الجرّة مليئة طافحة يسيل الزيت على جوانبها: وما كادت الراهبة تسمع بالأعجوبة حتى أسرعت لتتحقّق الأمر بنفسها. وفي غمرة دهشتها الشديدة أخذت تجمع الفائض من الزيت لاستعماله في دهن المرضى على أمل شفائهم بشفاعة العذراء. وشعرت بأن هذه الأعجوبة جاءت مكافأة لها على إيمانها.

وما هي إلاّ أسابيع معدودة حتى سنحت لها الفرصة للانتفاع بالزيت. ذلك أن إحدى سيّدات القدس وتدعى فيلومين لورنزو من عائلة مرقص، لم ترزق بنين وقد مضت ست عشر سنة على زواجها. وكان هذا الحرمان يحزّ في نفسها كثيراً. فلما سمعت ما جرى في بيت لحم، دبّ في نفسها الأمل وأقبلت على الأخت ماري ألفونسين تتوسّل إليها أن تتنازل لها عن قليل من ذلك السائل العجيب. فغمست الراهبة قطعة قطن في الزيت وناولتها لها موصية إياها بإلحاح بأن تصلّي إلى العذراء مريم، بإيمان وثقة، لأن العذراء هي التي تشفي لا الزيت. ولم تمضِ سنة حتى كانت السيدة قد أنجبت طفلة سمتّها “مريم” إقرارا منها بجميل العذراء. وكبرت الطفلة، وأصبحت فيما بعد عقيلة السيد نصري مروم وعاشت في القدس طويلاً.

5- من علامات مسيرة الإيمان للإنسان الذي التقى بيسوع وآمن به، الالتزام ببناء مجتمع مسيحي مبني على تجاوز كلّ الحواجز. وهذا هو ما تميز به إيمان الأم ألفونسين في حياتها كما يتجلى لنا هذا الأمر في حادثة السبحة الخارقة في أول إرسالية عملت فيها في يافا الناصرة، في بلد العائلة المقدسة وكان ذلك في الرابع والعشرين من نيسان سنة 1886، جرى على أرض تلك القرية حدث عجيب اهتزّ له الجميع وكان ذا أثر فعّال في إحداث انقلاب روحيّ عميق في مواقف الناس من الدين والصلاة. وسنعتمد في سردنا للحادثة على مذكرات الأم ماري ألفونسين بخصوص إرسالية يافا. ونبدأ بهذه الكلمات: “لما انتهى إعمار المكان وإصلاحه، وجب تنظيف الأرض من الشيد. وكانت البئر على بعد خطوات فقط. وقد أوشكت أمطار الشتاء والربّيع أن تملأها حتى الحافّة. لهذا وجب إرسال بعض الفتيات لنشل الماء من البئر، تحت نظر الأخت كاترين. وبينما كان العمل سائراً على قدم وساق، وافت المكان متأخرة طالبة اسمها نصيرة” لها من العمر اثنتا عشرة سنه وتنتمي الى الطائفة االأرثوذكسية، فأسرعت نحو البئر لتعين رفيقاتها في نشل الماء، ولكن أثناء جريها زلّت قدمها وفقد توازنها فابتلعتها فوهة البئر.صرخت الفتيات وقد تملكهّن الفزع، فأسرعت الأخت كاترين نحو البئر وأيقنت أن الفتاة قد غرقت. فمضت لتعلم كاهن الرعية فلم يكن حاضراً في تلك اللحظة. هرع المعلّم سليم أيوب وأخذ يقرع أجراس الكنيسة لينبّه الناس ويستقدمهم لعلّ أحدهم يجيد السباحة فيتطوّع لإنقاذ الفتاة. إجتمع أهل القرية بسرعة، لكن أحداً لم يجرؤ على الغوص فيها لشدّة عمقها وارتفاع مياهها التي كادت تصل حافة البئر. فأحضر أحد الرجال حبلاً وألقاه في البئر، ولما انحنى رأى الفتاة تطفو على سطح الماء مرتين متتاليتين. فصرخ بها لكي تمسك بالحبل ولكنها لم تفعل لأنها كانت قد فقدت الوعي، فهوت إلى قاع البئر وصارت أثراً بعد عين.

استولى اليأس على قلوب ذويها، وأخذوا يمزّقون ثيابهم، وجعل بعض الحاضرين يصرخ وينتحب والبعض الآخر يولول ويتهدّد، ويقذف الراهبتين بالشتائم والسباب كما لو كانتا مسؤولتين عن وفاة الفتاة حتى ان قسماً فكّر في المطالبة بديّتها.

ولم تشهد الأم ماري ألفونسين المشهد الأخير. فبينما كان الرجال منهمكين في معالجة الأمور على هواهم مضت هي بالطالبات الى الكنيسة لصلاة السبحة وأخذن يطلبن إلى العذراء أن تنقذ الغريقة. وبعد تلاوة بضعة أبيات خرجن لمعرفة ما جرى.

سعت الأم ماري ألفونسين إلى البئر وهي متشبثة بسبحتها معلقّة عليها كلّ أملها ورجائها. فتنبّه إليها أحد الرجال وقد تملّكه الغضب ونفخه الحقد وراح يوسع الراهبة شتماً وتعييراً، ولعن سبحتها وصلاتها ودفعها بقدمه فهوت على جنبها الايسر فاصطدمت بجسم حادّ جرحها جرحاً أليماً داميا. إلاّ أنها جمعت ما تبقى لديها من عزم ونهضت متثاقلة نحو البئر حيث ألقت سبحتها الكبيرة التي لعنها الرجل قبل لحظات وصرخت بإيمان:

“يا مريم أخرجيها وأعينينا في هذه المحنة”. وما كاد الرجال يسمعون دعاءها حتى سخروا منها واستهزأوا بفعلتها وقالوا: “قد مضى عليها ساعة وهي في البئر وقد ماتت”. عادت الراهبة أدراجها إلى الكنيسة دون أن تجيب بكلمة واحدة. وواصلت رفع الابتهالات أمام القربان الأقدس. برفقة الفتيات. ولم يمض وقت طويل حتى دخلت الأخت كاترين والإنفعال باد عليها:

“تعالي، تعالي، فان نصيرة خرجت من البئر والمسبحة في عنقها ويداها ممسكتان بالحبل الذي رموه لينشلوها به”. (مخطوط ثاني، ص 3)

فخرجن جميعا لتحقق الأعجوبة، وما كادت نصيرة تلمح معلّمتها حتى وثبت عليها تعانقها وهي مبللة الثياب موفورة الصحة. لكن، ترى، ماذا جرى لها في البئر؟ لقد أجابت الفتاة بنفسها عن هذا السؤال وأخذت تشرح بكلام ساذج بريء كلّ ما حدث لها. قالت: “أنا فرحة جداً لما رأيت في البئر. رأيت مسبحة مضاءة التفت حول عنقي. فاستضاء كلّ البئر بمثل ضوء الشمع، فرغبت في أن أبقى هناك على الدوام، وسمعت صوتاً يقول لي: امسكي بالحبل. فأمسكت به، وها إني آسفة لخروجي من البئر”. (مخطوط ثاني، ص 3) ولما عاد كاهن الرعية وجد كلّ شيء قد انتهى. وفي اليوم التالي أقام ذبيحة حمد للعزّة الإلهية وللسيّدة العذراء وكانت الكنيسة غاصة بالمصلّين.

هذه الحادثة الخارقة التي أنعمت بها البتول قد أسفرت عن نتائج إيجابية. فأصبح سكان القرية والأماكن المجاورة يقدّرون الراهبتين حقّ قدرهما. واقتنع الناس بجدوى إكرام العذراء وتلاوة سبحتها. وتسابقت النساء للدخول في “أخوية الوردية”، بعد أن كنّ لا يبالين بأمور الديانة بل كنّ ينفرن من الصلاة ويستثقلن حتى رسم إشارة الصليب بحجة أن ذلك “يوجع أيديهنّ”. وبهذه اللهجة الساخرة وبمثل تلك الحجج الواهية كنّ يعتذرن للراهبتين كلّما دعين إلى الصلاة. أما أجراس الأحد فكانت تقرع سدى وكان لا بدّ للراهبتين من التجوّل بين البيوت لدعوة الناس الى قداس الأحد، مع أن الكنيسة كانت على بعد خطوات فقط. وذلك نتيجة لإيمان الأم ألفونسين بأن التربية الصحيحة تبدأ وتنتهي في البيت، وبأن الأم هي المربيّة الأولى والأخيرة، فقد أنشأت للأمهات المسيحيات فرقة خاصة سمتها “أخوية الوردية”، منذ أول دخولها للإرسالية. وبالغيرة والحماس نفسيهما بادرت الى تأسيس فرقة مماثلة للفتيات. فلمس الكاهن آنذاك لمس اليد أن تقدّما ملموساً أخذ يطرأ على رعيته. ولم ينسَ، في غمرة سروره، أن للراهبتين في ذلك باعاً طويلاً. وكان الشعب يكنّ لهما مشاعر الاحترام والإجلال. ولكثرة ما رآهما تتلوان السبحة كان بعضهم يلقبهما وهما غاديتان رائحتان على الطرقات، براهبتي “السلام عليك يا مريم”. في النتيجة كتب النصر للمثابرة والغيرة، وسار التبشير بالله والمثل جنباً الى جنب. وقد ترك كلّ هذا في قلوب المسيحيين أجمعين أثراً طيبا لا تمحوه السنون. ومن أثر حادثة “السبحة الخارقة”، اعتنقت مديرة المدرسة البروتستنتية المذهب الكاثوليكي هي وأمها وبعض طالباتها، وأصبحت عنصراً نشيطاً في الكنيسة. ثم اعتزلت التدريس لأنها أبت أن تمارسه في بيئة تجحد فضل العذراء. ولكي تجد ما تنفقه على نفسها باعت أرضها للدير.

أما نصيرة، بعد أن حظيت بالأعجوبة، فقد شغفت بالراهبتين أيما شغف ولم تكن ترضى أن تصلّي إلاّ برفقتهما، وأطلقت على نفسها لقب “مريم الوردية”. ولم تكفّ الأم ماري ألفونسين عن إسداء الشكر للسيدة. وقد نجحت أيما نجاح في إرساليتها الأولى، لذا لم تشأ العناية الربّانية أن تلبث فيها طويلاً. فهي لم تخلق لتشتهر وتبرز على مسرح الأحداث بل لتعيش في الظل محتجبة عن الانظار. وفي أخر تشرين الأول من عام 1886 استدعيت الى الدير الرئيسي في القدس لتحمل عصا الترحال الى إرسالية بيت ساحور، بلدة الرعاة، حيث عهد اليها بمهمّة إنشاء مدرسة فيها. حيث عملت وأختها الراهبة على التعليم وتربية الجيل الجديد في حقلي العلم والفضيلة. كانت الفتيات يتعلمن أمور الدين لا سيما ما يختص بسّر تجسد يسوع المسيح، الإله المولود في مغارة بيت لحم القريبة ثم مبادئ القراءة والكتابة والحساب.

يتبع ....

 

 
     
     
     
     
 

الروح المريمية عند الأم ماري الفونسين

من كتاب كليمة العذراء  للأخت براكسيد سويدان

   

إنّ الأب لينو تشينللي بعد أن درس مخطّطي مذكرات الأم الفونسين وجد أن الحس المريمي المشرق والحيوي في حياة الأم ماري الفونسين هو العنصر البارز والمميز وهو نقطة الارتكاز والمحور الأساسي لروحانيتها والقوة الدافعة والمحركة لها بأمانة والتزام. لذلك بقيت هذه الفتاة طيلة حياتها هي المفضلة والمصطفاة لدى السيدة العذراء وذلك لأمانتها وصدقها والتزامها الأكيد والثابت. وعليه يقدم الأب المذكور أعلاه التحليلات التالية ....  للمزيد

 
     
 

  شخصية الأم ماري الفونسين الإنسانية والروحانية ( الجزء الاول )

 

إنّ دراسة الأب لينو تشينللي لمذكرات الأم ماري الفونسين ركزّت على بعض الخصائص المميزة لروحانيتها ورسالتها. وكذلك النتائج التي خلص إليها الخبراء بعد دراسة جميع الوثائق المتعلقة بها ولمذكراتها....  للمزيد

 
     
 

  شخصية الأم ماري الفونسين الإنسانية والروحانية ( الجزء الثاني )

 
       
   

إن الأب بندكتوس شتولتز، أول كاتب لسيرة الأم الفونسين. يصف لقاءه الأول للأخت ماري الفونسين في عين كارم قبيل وفاتها ببضعة أشهر في هذه العبارات الوجيزة قال: " أذكر جيد  ....   للمزيد

 
       
 

  الأم الفونسين وممارسـة الفضائل البطوليّة  ( الجزء الاول )     

   
 

عند الاطلاع على مذكرات الأم ألفونسين دانيل غطاس بعد وفاتها في 25/3/1927 في عين كارم اكتشفت الأخوات الراهبات قيمة الفضائل الإنجيلية التي مارستها ببساطة كليّة كالتواضع، الفقر الروحي، محبة الله والقريب، خاصة نحافة الضمير والأمانة لدعوتها وفي تتميم واجباتها الروحية وحفظ القانون بكلّ دقة مما جعلها تصل الى أعلى درجات الكمال ...الخ. كانت الأخت ماري ألفونسين تمتلك شخصيّة غنيّة بالفضائل منها: روح المبادرة  ....  للمزيد

 

  الأم الفونسين وفضيلة الإيمان  ( الجزء الثاني )

   
 

لقد برز إيمانها اكثر وهي بمحاذاة الجلجلة بتبنيها شعار “التفاني حتى الموت” شعار المسيح الذي كتبه بحروف من دم شعار التفاني الذي بلغ به حداً جعله يموت على خشبة العار ليمحو عارنا... فكانت رئيستها تلحظ باهتمام بالغ الفائدة الروحيّة التي تجنيها هذه المبتدئة من ممارسة درب الصليب، فأخذت تأذن لها عن طيب خاطر بتكرار زياراتها الى القبر المقدّس حيث كانت تقضي ساعات تأمل طويلة في المكان الذي صلب فيه معلّمها الإلهي وبالقرب من العذراء أم الأوجاع  ....  للمزيد