English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 
 
 

     وفي حريصا تقــرع الأجـــراس ... هايل عيسى علمات

 
 

في لبنان ،جباله وسهوله ووديانه،مدرسة القداسة في الإختلاء والتأمل والمثابرة ، تتلاقى مسارات القداسة ،تتنوّع لتثري وتتشابك لتتقوَّى ، وتتعمَّق لتتأَصَّل . ثلاثة قديسين عظام يعلنون في عقــدين ونيِّف من الزمن، ولا يزال البيدر عامراً بالبرِّ والتقوى  هناك من ينتظر اعلان قداسته وهناك أيضاً من ينتظر تطويبه. فطوبى لأرض أخصبت إيماناً واينعت فضيلة وأعطت قديسين عبق قداستهم أفعم المكان والزمان والإنسان ....


فمن قلايته، حبيس عنَّايا الفارغة إلاَّ من الصمت الناطق ،الصمت المتمرّد على ضوضاء المدنيَّة المعاصرة ، والحضارة القشور ، الصمت الملتحف بالإجلال والهيبة والوقار ، الغارق في أعماق التوحّد والإتحاد مع مبدع الأكوان ،الصمت العاصف كالإعصار، والمتفجر كالبركان، والهادر كالطوفان .....يحملنا الفخر إلى غرفة تعصف فيها رياح الألم الهوجاء ، في جسد هزيل ضعيف خائر مفكك....فارغ إلاَّ من دينامية هادرة، وإرادة عملاقة ، وصبر يستبيح ذهولنا ،وصمت يحرك أعماقنا وترتفع فيها صلوات على إيقاع الأنين المكتوم، والألم الملجوم ،والظلمة المضيئة أعماق النفس . عينان لا تبصران ... وبصيرة تخترق الظلام الحالك الدائم ، وضياء الروح المبدّد عتمة العمى ،فتبصر الضريرة ما لا تبصره عيون مزروعة في كل الاتجاهات لا ترى إلاَّ نور الظلام المطفأ في ليل الخطيئة.... ومن هذه الغرفة نعرج على قديس كفيفان الذي يدلنا على طريق القداسة من خلال حياة التعليم والتفكير والتأمل ، يسعى بحذق بكل ما أوتي من مهام وواجبات والتزامات إلى الخلاص .عمله مجبول بماء المحبة والتفاني. حياة قداسة جسّدها الحرديني طاعة، وتواضعاً ومحبة تنبثق من إيمان راسخ ورجاءٍ يفتح أبواب الأمل على مصاريعها...


وتلتـقي مسارات هؤلاء القديسين العظام بمسار راهبة وضيعة من شرقنا، من قدسنا، أرض الفداء والطهر، حبيسة الصمت السحيق، وسط جبال ووديان حياة صاخبة وملتهبة، وإرادةٍ ، تشدّها رغبة جامحة في البقاء أمينة لرهبانية أحبتها بكل جوارحها ، ورغبة ملحَّة في الإمتثال لأمر البتول بتأسيس رهبنة جديدة . فباتت رهينة الألم والعذاب الناجمين عن سؤ الفهم، ورياح الحسد ، وسيول الإضطهاد والإهمال .علَّمت .. فتفانت ،لأنها أحبَّت عملها .فكان الإخلاص


وكان الوفاء ، وكان السخاء . تفانت إلى حد الإنتشاء ، فعلَّمت بمحبة فائقة وساعدت بحبور وثقّفت بكل عطاء، وتواضعت حتى الإمِّحاء ،وتعاملت ببساطة وعفوية عزَّ نظيرهما ، فنمت في القداسة من خلال العمل اليومي الوضيع، والخدمة الأمينة الصادقة .
عرفت أين وكيف تغرس بذرتها ، بذرة الوردية ، لتموت في تربة الصمت والتضحية والإماتة والتهميش، تسقيها بمياه الحكمة والفطنة والتواضع والتأمل والإختلاء ، فارتفعت شجرة باسقة ترامت أغصانها في كل الإتجاهات ،لتعانق وطناً عزيزاً غاليا ،بثّت فيه روح الصلاة والتقوى والمواطنة الصالحة . فتدلَّت ثماره صروحاً تربوية ، وطبية واجتماعية شامخة في تواضعها، ومتواضعة في شموخها، وقوية في ضعفها ، وأمينة في غربتها ، وصادقة في وعدها ، منيةً للفكر ، وملهمةً للإرادة ، ومطلقة للإبداع.


تتلاقى سيدة حريصا وسيدة الوردية في يوم تاريخي تتعالى فيه صلوات الحمد شكراً لله وللعذراء الكلية الطهارة على نعمة تطويب الأم ماري ألفونسين ،وسط مظاهر الإغتباط والإفتخار والحبور. تتجاوب أصداؤها في جبال القدس الفخورة بمقدساتها وعراقتها وتاريخها الخلاصي، وبوردتها الفواحة قداسة وبهاء، وجبال لبنان الشمّاء المعتدّة بأديرتها المزروعة في صخر الإيمان المروي بدماء الشهداء وندى التقوى والإنتماء. تهتز أشجار جبل الزيتون المتراقصة طرباً، المتجذرة في عمق الأرض والتاريخ، لتعانق أشجار الأرز الشامخة زهواً وكبرياء تناطح العصور.تعاقبت الحضارات والإحتلالات وأشجار الزيتون لا تزال وارفة ، مثمرة وشاهدة على بركات السماء وفداء البشرية . وتوالت السنون والقرون والأرز، المتمرد على الريح والعنف والنيران، لا يزال يزداد نضارة وألقاً و إصرارا، رامياً جذوره في أعماق التاريخ، وشاهداً على ولادة الأبجدية من رحمٍ فنيقي لتنتقل عبر نفحات أمواجه، وخفقات مجاديفه إلى فضاءات العالم تملأ صفحاته معرفةً وحضارةً وإنسانية.


وحدَّت الطوباوية صلواتنا وابتهالاتنا ، وأفعمت أجواءنا بعبير المحبة والأخوة . هذه المناسبات الفريدة تدعونا لإكتشاف وجه
الطوباوية ألفونسين الحقيقي ،ونعيش نهجها الإنساني .... تفان في الخدمة وتعملق في التضحية، وأمانة عميقة للرسالة .
محركها حب الله ، وإيمان راسخ ، ورجاء متوقِّد . وضعت يدها على المحراث وسارت دون أن يكون منها التفاتة إلى الوراء
لئلا يفلت منها شذرة من شعاع الله أو نظرة إلى وجه العذراء الطافح عطفاً وحباً وهناء.


وثقت بها البتول فحققت بعونها المأمول...وها هي الوردية، المنغرسة في القلوب والذهون ، والناثرة عطرها وثمارها خدمة وتربية وعلماً وقيماً وأخلاقا ، تكمل المسيرة وتحقق الوعد ، وتفرح بالموعد مع الخلود ....لجميع الأخوات الراهبات ، في أغلى المناسبات ،كل امنيات التوفيق لإستمرار مسيرة الخير والعطاء.


يا سلطانة الوردية المقدسة صلي لأجلنا وباركينا وافتحي قلبنا لما يقول ابنك يسوع .
أيتها الطوباوية ماري ألفونسين تشفعي فينا، وكوني مع بناتك الراهبات في رسالتهن ، واستنزلي عليهن غزير الخيرات والبركات .

                                                                                                         
 

 

وتتــوالـــى في لبنـــــــان أعـــراسنـــــــــــا

 

 

القــدسُ للعنــــــــاقِ يهـفــــــو بِــــرُّهـا لِـبُقْعَـــــــــةٍ غنَّـــــــى بشــــــوقٍ طــــــيرُها

 

عــــانــقَ أرزُها مضــــــاميرَ الفـــــــدا لاقــــى "حـــريـــصا" باعتشـــاقٍ قــــــبرُها

 

من عرسِها الأعراسُ قامت في الورى غـــطَّــى ســمانا والفيــــافي بِشْـــــــــــــرُها

 

لبنــــانُ يشــــدو رافعـــــاً لحــنَ التُــقى يغـــــزو وروداً فــــــاحَ فينــــا طُهــــــــرُها

 

يشـــــدو لمــــــاري إذ تعــــالى شــأْنُها في الخُـــلــد أمســى كــالشمـــوسِ خِــــدْرُها

 

بالصَّمـــتِ بالأيمــــانِ نـــــالتْ غـارَها بالصــــبرِ والإذعـــــانِ عـــــــاشَ سِــــرُّها

 

عـــانَتْ بحُـــبٍّ نَجْمَــــةً بــــانتْ لنــــــا أمســــــى جَهـــــاراً خــيرَ نَــهجٍ سِــــــبرُها

 

غــــاصــتْ بِنَـــعٍ مـــاؤهُ العــذبُ نَعيـمْ روَّى عطـــــاشاً بالتفـــــاني نهـــــــــــــرُها

 

قلبُـها حُـبَّــاً نمــــا أعطــــى الـــوفـــــــا من صمتِـــــها فـــاحَ انتشــــــاءً عطـــــرُها

 

في حقـلِها يغـدو الهُـــدى مَهْوى النفوسْ غطَّـــــى تُقـــــانا باتِّضــــــــاعٍ خَــــيْـرُهــا

 

يحنــــو بتـــوقٍ لليتيــــــمِ قـلبُـــــــــــــها صــــارَ مَـــلاذاً لشفـــــــاءٍ صــــــــــدرُهــا

 

جــادتْ بعطــفٍ جَمــرةً تـأْبى انخمـــادْ يَهــــدي مَســـــاراً في قِفـــــــــــارٍ بِــــــرُّها

 

تـــاهَ الـــورى في غُــربة الجـهلِ البهيمْ يَجــــــلو هُـمــوماً في ظـــــــلامٍ بــــــــدرُها

 

في ليــــــالي البـــؤسِ والقـــهرِ الأليـــمْ شــــوقــاً يــلـوحُ في حِمــــانا فجـــــــــــرُها

 

راحـــتْ تجــــوبُ ســـهلَـنا ثُـمَّ الجبـــالْ عـــبءٌ خفيــــفٌ في الصعـــــابِ نيــــــرُها

 

في نفسِــــها قد فجَّــــرتْ عــــزيـــــــمةً فيــــــها التحـــــــــامٌ يستحيـــــــلُ كســــرُها

 

لاقــــتْ صُنــوفــاً من عـــذابٍ لاهِـــبٍ شمــــسُ الجحـــودِ لا يَضـــــــرُّ حــــرُّهــــا

 

أغْـنـــــــتْ حيــــاةً باصطبــارٍ لا يَـنـي في جـــوفـِـهِ يحـــــوي الكنــــــوزَ بحــــرُها

 

مــا خـــانتِ العــــهدَ الأَمـــينَ مــــــــرةً كـــفَّى وأوفـــى في العســــيرِ نِـــــــــذرُهــا

 

في سِـــرِّهــا صــلَّـتْ عــــزاءً تَبْتَغــــي مــا كَــلَّ من حَــمْلِ الصليبِ صبـــرُهـــــــا

 

في قـلـبِ جيـــلٍ في ضَيـــاعٍ قـد هــوى أنـــارَ دربــاً صـــوبَ وَعـْــيٍ فِــــــــــكرُها

 

قــضَّ امتثـــالٌ لمهـــــامٍ مَضْجَعـــــــــاً زاد العـــــــذابُ فاحتــــــــــــــواهُ غَــــوْرُها

 

قد سمَّـرتْ بالقهـــرِ أشـــــواقَ الغُرورْ بـــدراً تَجــــلّــــى في الليـــــــالي قهــــــرُها

 

لا راحةً في الأرضِ لاقــــــت ْ نفسُــها في قــلـبِ فـــادٍ استقــــــــــرَّ خـــــــــدْرُها

 

راح تعـــالى في الــــديــــارِ نــــــورُها أضحـــتْ مِثـــــالاً للكمـــــالِِ دورُهـــــــــا

 

قد دوَّنــتْ فحــــوى تُقـــــاها مَنْهَجَــــــا ً أثــــرى حيــــــاةً في الــرجــــاءِ نَـثْــــرُ ها

 

من نعمـــــةِ الأُمِّ البتــــــولِ امتــــــلأَتْ أَمجــــــادَنا فخـــراً يــخُــــطُّ حِـــــــــبـْرُهــا

 

تـــــــاهَ الحــزانى في بُحـــورٍ يلتظــونْ غـَـرقى الضَّنى يـــــدعـــــو بــودٍّ بَــــرُّهــا

 

خـــلِّتْ نفـــوساً ألفونسيــــنُ هــــــــوىً يَهـــدي خطــــــاها للـرجـــــاءِ سَــيْـرُهــا

 

من مَـشْـتَــــلٍ للأُمِِّ في القـــلـبِ نَضَــــرْ نأْتي بغــــارٍ قــــد سبـــــــــــــاهُ طُهــــرُهـا

 

فالنبــضُ في قــلبٍ تعـــالى دَفْـقُــــــــــهُُ في النفـــسِ لحنــــاً ذابَ فــيهِ صَخْــرُهــــا

 

فَـلْـتُغْـدِقِ الأمُّ الخيـــــورَ نِعْـمــــــــــــــةً وَلْـيَـمنحِ الوردَ الأَمـــــانَ سِــــــــــــتْـــرُهـا

 

أبقـــى لنـــا لبنـــــــانَ ربٌّ قــــــــــــادرٌ بِـزهــو ببِــكْـرٍ قــد حَمــــــــاهُ ذِكـــــرُهــــا

 

هــايل عيسى علمات

6/12/2009


 

 
 

كلمة الرئيسة العامة في قداس الشكر على تطويب الأم ماري الفونسين/ لبنان