English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

سلطة القديس بطرس

 
 
 
     
 

سمعان ذاك الصيّاد الفقير المتكل على رزقه في بحيرة طبريا. يفاجئه يسوع يوما وهو يرمي الشباك في البحر، بزيارة غير متوقعة بفكر البشر، ولكن مخطط لها بعقل الله، يأتي يسوع  ليكون جليس سمعان على الشاطئ. من المؤكد أنهم تحدثوا طويلا، ومن المؤكد أن سمعان كان مسرورا بزيارة يسوع له فوقع في حب ذاك الزائر. وبعد قليل يطلب يسوع من الصياد أن يترك وظيفته ليرتقى وظيفة أخرى... ربما اعتقد سمعان أنه نال حظا غير متوقع... فوافق على الدعوة  وبدأت مغامرته الطويلة وتبع يسوع.

سمعان ومعناه الرمل المتناثر، صاحب الطبع الخاص، بالحيوية والاندفاع والعفوية... لم يفهم المطلوب من الدعوة إلا أنه سار لا يعرف ما ينتظره، لم يفكر بالمستقبل بقدر ما عاش لحظات حب، حولته تدريجيا من إنسان عادي إلى أعظم رسول عرفته البشرية... وضع نفسه أمام تجارب كثيرة أمام الرب لشدة بساطته الروحية، فلم يسكت على أعمال وتصرفات بل كان يصرّح ويعرب عن اعتراضاته تجاه أي حدث.

 

سأل المسيح يوما الرسل من أنا في نظر الناس ونظركم؟؟؟

 

فجميعهم أجابوا كما يفكر الناس، غير أن سمعان أراد أن يزكي نفسه فقال له على الفور وبدون تردد ومن غير تفكير : أنت المسيح ابن الله الحي.

فكافأه المسيح وسلمه مفاتيح ملكوت السموات وقال له : طوبى لك يا سمعان بن يونا، ليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل أبي الذي في السموات، وأنا أقول لك أنت الصخر وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي فلن يقوى عليها سلطان الموت. وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات. فما ربطته في الأرض ربط في السماوات وما حللته في الأرض حُل في السماوات.

بطرس كما تعلمون وبفضل يسوع الذي اختاره، حوّله من إنسان إلى آخر من صيّاد سمك إلى صيّاد نفوس.

من سمعان "الرمل المتناثر" إلى  بطرس "الصخر الثابت"، من الخائف إلى القوي.

ما يجب علينا أن نتعلمه هو: أن الربّ عندما يريد اختيار أحداً ما يختاره متى يشاء وكيفما يشاء وأينما يشاء. في الدعوة يوجد الداعي أي الله والمدعو أي الإنسان وكلّ مدعو مطلوب منه أن يلبي صوت الداعي أي ربّنا.

 

   أوّلاً: "بطرس يتبع يسوع من بعيد" .

توجد هذه الجملة في إنجيل الآلام وذكرها الإنجيليون جميعاً. لماذا تبعه من بعيد ولماذا نتبع نحن يسوع من بعيد وما معنى هذه العبارة؟

أمامنا ثلاث حلول تعنينا جميعاً.

 

* الحلّ الأوّل: نحن نقدّم ذواتنا للربّ ونتعهّد بسماع كلمته وحفظ وصاياه وتقريب ذاتنا له، يعني أنّنا نتبع يسوع عن قرب أي نتبعه ونسمع له ونخضع له. إذا كنتُ متزوّجاً أو مكرسا، أتعهّد بأن أفعل المستحيل وأتبع طريقه وطريق يسوع من خلال كلمته ونعمته من خلال روحه وأمّه وكلّ شيء فيه.

 

* الحلّ الثاني: هو عكس الأول، أي أني لست على استعداد لسماع يسوع أو السير بحسب خطّته وهذا حال الملحد والمبتعد عن المسيحيّة.

* الحلّ الثالث: يعنينا كثيراً وهو حل مزدوج جداً. أقول ليسوع أنّي أريد إتباعه ومن جهّة أخرى أتبعه من بعيد. أعده وأقدّم له أموراً وأعيد استرجاعها. لنفترض أنّي مكرّس وعلى الإنسان المكرّس أن يكون بكليّته لربّه، والإنسان المنتمي للمسيح يقطع على نفسه وعداً بأنّه للربّ. ولكن في الواقع يوجد هوّة بين ما أقوله وبين ما أعمله، بين ما أنا ملتزم به كلامياّ وبين ما ألتزم به ميدانيّاً على الأرض. يوجد هوّة بين ما أنا عليه وبين ما أعيشه. مثلاً كأنّي أقول للرب رأسي هو لك إذا أردت وضع إكليل من شوك عليه أنا راضٍ ولكن لا تمسّ قلبي. أقبل بأن تسمّر يداي وتتألّمان ولكن لا تقترب من أموالي. عندما أضع شروطاً تناسبني على ربّنا، أكون بذلك أتبع يسوع من بعيد. في البداية يكون الشخص الذي يريد التكرّس متحمّساً يقول ليسوع بكل صدق أنت عروسي وأنا كلّي لك، أنت كنزي وكل شيء لي، ويتعهّد السير في حياة مسيحيّة تقتضي التخلّي. وعندما يحين وقت التخلّي عملياً يجد نفسه متراجعاً. يوجد حماس في الكلام والنيّة والمقاصد، إنّما حين التطبيق نجد الضعف. وهذا هو إتباع يسوع من بعيد.

إذا كنتُ متزوّجاً أعد يسوع بأمور في حياتي الزوجيّة كأن أكون ملتزماً مسيحياً بالصوم والنشاط الراعوي والثقافة الدينيّة. ونصل إلى وقت نجد فيه أنفسنا رجال المناسبات فقط. والعدو الأكبر الذي يحول دون إتباع يسوع عن قرب هو الانتماء الطائفي أو التديّن الخارجي، أي أني أقوم بالواجب الديني في المناسبات فقط كعيد الميلاد وأربعاء الرماد وأحد الشعانين والجمعة العظيمة وغيرها. ولكن هذه الأمور لا تنجح لأن الربّ يقول: "من ليس معي فهو عليّ" قد نخدع أو نلاطف بعضنا البعض ولكن ليس بإمكاننا خداع المسيح لأن المسيح هو متطلّب ومتصلّب، إمّا معه وإمّا ضدّه. إتباع يسوع يعني طبع يسوع في فكري. أنا في عمليّة تبنّي لإنجيله لأنّه يعنيني ويغنيني، ينوّرني ويحرّرني. من أراد أن يتبع يسوع عليه أن يتبنّى خطّة يسوع المسيح دائماً ومهما كانت الظروف ومهما كان الثمن. لا يمكننا أن نمازحه لأن هذا يوصلنا إلى نكرانه.

 

  ثانياً: "نكران يسوع".

وهذا ما حصل مع بطرس. فعلى الرغم من حماسه وغيرته ومحبّته ونظرة يسوع المسيح وتمييزه له، عندما وصل إلى وقت العطاء والتضحية والإماتة والتنازل، تنحّى جانباً. إذن أنْ أقدّم ذاتي يعني أن أقدّم ذاتي دائماً. بطرس تعهّد بإتباع يسوع إذ قال له: "إلى مَن نذهب يا ربّ وعندك كلام الحياة". ومرّة أخرى أظهر عدم تخلّيه عن يسوع عندما كان في بستان الزيتون وقال يسوع: "اضرب الراعي تتبدّد الخراف" فأكّد بطرس عدم تخلّيه عنه حتى لو تركه الجميع. فقال له يسوع قبل صياح الديك ستنكرني ثلاث مرّات. غيرة مار بطرس رائعة ولكن وقت المحنة والشهادة حتى الاستشهاد تراجع إلى الوراء وكان يتدفأ قرب النار وأنكر يسوع في ثلاث مناسبات. خطر إتباع يسوع من بعيد هو النكران. حتّى في الحياة الزوجيّة فعندما أعيش الأمانة الزوجيّة من بعيد أكون بهذا أتنكّر لحياتي الزوجيّة ولشريك حياتي وقد أستبدله بسرعة، إن لم يكن عملياً قد يكون فكرياً. حتى من يردن التكرّس، إذا لم يكن تكرّسنا من كلّ قلبنا، قد نتنكّر ليسوع عند أي صعوبة أو قد نتخلّى عن التكرّس والحياة الديريّة عند أي فرصة. انطلاقا من هذا، المقصد الذي علينا اتخاذه جميعاً، هو عدم التشكيك في الشريك الزوجي، والتشكيك بالانتماء إلى المسيح من خلال الحياة المكرّسة، وأعني بالتشكيك التنكّر، أي نقص بالانتماء وضعف في الأمانة تجاه الأمر الذي اخترته لنفسي. كان النكران نتيجة التشكيك والضعف في الأمانة والانتماء. ما إن نكر بطرس يسوع ثلاث مرّات حتّى صاح الديك. وأهم ما ننتبه له أن نبوءة يسوع قد تمت وصاح الديك.

فليراجع كل واحد نفسه ويتّخذ احتياطاته لكي لا يسمع صياح الديك وصراخ الضمير لأن الضمير هو باب الله. والقراءة في سفر الضمير تعني ضميراً متّصلاً بالله لا منفصلاً ولا مستتراً إنّما متّصلاً أي أن الله حاضر في حياتي. في كلّ مرّة -لا سمح الله- أقع في الخطيئة أو في نقص الأمانة والحضور الإلهي  والمصداقيّة المسيحيّة والالتزام وأسمع ديكاً يصيح، فهذا يعني أنّي على الطريق الصحيح. ولكن الويل ثم الويل للإنسان الذي يتخدّر ضميره فيصبح أطرشاً لا يسمع ديكاً يصيح وأعمى لا يبصر حقيقة. لأنه من أسوأ مسبّبات التشكيك والنكران هو العمى، لا أرى ولا أسمع ولا أفهم. والعمى هو عمى البصيرة.

  ثالثاً: "نظرة يسوع".

 يسوع نظر إلى بطرس ثلاث مرات ونظرته ثلاثيّة المعاني. على الرغم من نكران بطرس وخطيئته المثلّثة لم ينبذه يسوع، ولم يحتقره أو يظلمه أو ينتقده، ولم يتخلَّ عن ثقته به وهذا أمر رائع. وإذا كان هنالك من قصد فهو أن نحسّن نظراتنا تجاه الآخرين ونتحلّى بعدسات يسوع اللاصقة عندما ننظر إلى الناس. وبالنسبة لخطيئة بطرس فيسوع قد سامحه وعبّر له بنظراته وأعطى لنظراته ثلاثة أبعاد.

 

 النظرة الأولى نظرة تذكير: يسوع بنظرته لم يتفوّه بكلمة وتحوّلت نظرته إلى سهام. لأن نظرات يسوع هي عبور وتعبير. تعبر إلى الشخص وتعبّر للشخص. وما قامت هذه النظرات بتعبيره لبطرس هو التالي: لقد قمتُ بتنبيهك وقلت لك أنّه إذا ابتعدت عنّي ستقع، وإذا عشت بدون تضحية وبدون تنازل وتخلّي وبدون قبول واقعك كما هو فستقع أيضاً. يسوع ذكّر بطرس وعبّر له أنّه فهمه ويريد تذكيره بثلاث سنين مضت ناداه خلالها وأحبّه وميّزه وفضّله وجعله متقدّماً بين الرسل وحوّله من حالة إلى حالة بتغيير اسمه. ذكّره بهذا لأنّه مطلوب من الإنسان أن يسترجع في بعض الأحيان الذكريات القديمة وخاصة الجيّدة لكي يضاعفها وإذا كان هنالك من ذكريات مؤلمة فيحاول طمسها وتخفيفها ويركّز على الذكريات الحسنة. - نظرة تذكير.

 النظرة الثانية هي نظرة تفكير. فبطرس من خلال هذه الحالة الموجود فيها، فكّر كيف عليه أن يتصرّف ويكمل حياته، لأن يسوع وعده عند اختياره له بأنّه سيكون ركيزة الكنيسة ومفاتيح المجد كلّها بين يديه. ومن المؤكّد أن بطرس فكّر وعاد لنفسه واختار النظرة الثالثة.

 النظرة الثالثة نظرة تكفير: ندم على شناعة عمله وفكّر بشفاعة معلّمه وأراد متابعة الطريق والدليل على ذلك قول الإنجيلي: "خرج وبكى بكاء مراً". والمعاكس بين بطرس ويهوذا، بطرس نكر ويهوذا خان. والرب دائماً ينظر بنظرات بنّاءة وشفائية ولا يمكن لأحد أن ينظر مثله. ولكن عليّ أن أتحلّى بهذه النظرات. من السهل أن أنظر للآخر وأرى سلبيّاته ولكن كيف يمكننا أن ننظر ونرى حسنات الآخر دائماً.

فلنتمثّل بغيرة القديس بطرس ونقول ليسوع: "إلى من نذهب يا رب وعندك كلام الحياة".

وبولس عندما ظهر له يسوع استفاد منه وذهب إلى ينبوع الماء الحي الذي يتدفّق من قلب يسوع المطعون. ولم يتوقّف هذا الينبوع حتّى بعد 2000 سنة وما زال ينزف دماً وماءً.إذا أردنا المسير وإعطاء حيويّة لحياتنا علينا التوجّه نحو هذا القلب، وعندما نشرب من هذا الماء علينا التحوّل إلى ساقية لنروي غيرنا. إذا أردتُ عيش حالة الإشعاع المسيحي عليّ التحوّل إلى ساقية يشرب منها الآخر، يشرب من كلامي ومصداقيّتي. لكي أقوى على الشهادة عليّ التوجّه إلى الينبوع ولا وجود لينبوع سوى يسوع المسيح. ففي ديانتنا المسيحيّة كلّها لا وجود سوى لينبوع واحد وكل ما تبقّى هو سواقي. لدينا ينبوع واحد، مصدر ومرجع واحد وهو يسوع المسيح.