سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

المناجاة حوار مع الله

مقدمة :

عندما سأل التلاميذ يسوع " علمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه ( لو 11 : 1 ) علّمهم صلاة الأبانا . وهنا أريد أنْ أتوقف عند كلمة " علّم " , لقد طلب التلاميذ من يسوع أنْ يتعلموا كيف يصلّوا , ونحن أيضاً نحتاج إلى أنْ نتعلّم الصلاة وهذا ليس عيباً , إنما العيب في كبريائنا . ليست الصلاة مجرد كلمات نرددها دون أن نفهم معناها أو كلمات نعيد تكرارها مراراً كالوثنيين " وإذا صلّيتم فلا تكرروا الكلام عبثاً كالوثنيين " ( متى 6 : 7 ) . فالصلاة ليست كلمات نقولها ونزيح الهمّ عن كاهلنا كما يفعل البعض , وبذلك نرضي ذاتنا ونظن أننا نرضي الله . إنّ الصلاة هي علاقة وعلاقة حوار مستمر مع الله .

 

الصلاة مغامرة :

عندما يتعرف حبيبان أحدهما على الآخر تبدأ مغامرة حبّ بينهما يتولّد عنها كلمات وأشعار وأغاني وإشارات وابتسامات ... كلّ ما في الإنسان يختلج ويعبر عن مغامرة الحبّ هذه . ينتظر الاثنان اللحظة التي يلتقيان بها , فيمرّ الزمن وهما في ولهٍ عجيب عندها تعجز الكلمات عن النطق وتصبح لغة النظرات وحدها في ساحة اللقاء . الصلاة أيضاً هي لقاء مع حبيب ألا وهو إلهنا الذي ينتظرنا وقد قدم ذاته على الصليب من أجلنا . إنه يعرف كلّ ما نحتاج إليه قبل أنْ نسأله , يعرف ضعفنا وعجزنا فقط يريد منّا فعل تقدمةٍ لذاتنا بين يديه بصدقٍ وتواضع " تعالوا إليّ أيها المرهقون المثقلون وأنا أريحكم " ( متى 11 : 28 ) . في الصلاة نلتقي مع حبيب , لكنّه أمين لحبه ومخلص لكلمته ووعده , لا يتخلى عنّا إنما العكس هو الصحيح . ألا نجرؤ ونصرخ في الأزمات أين الله ؟ " يا رب لو كنت ههنا لما مات أخي " ( يو 11 : 21 )

هناك دائماً صوت ينادي كلّ إنسان ويدعوه بحرية للقاء معه , فهل لدينا الإصغاء والانتباه لنداء الحبيب فنأتي ونستسلم بين يديه ؟ لا ننسى أنّ المسيح شخص حي .

 

الصلاة الصامتة ذروة اللقاء مع الله :

عند قراءتنا للإنجيل نجد أنّ يسوع كان في كثير من الأحيان يترك تلاميذه ويصعد الجبل ليصلّي على انفراد في خلوةٍ حميمة بينه وبين أبيه السماوي ( متى 14 : 13 ) . لقد كان يناجي أباه السماوي ويبثه لواعجه وآلامه , رسالته وصعوباته واضعاً إياها بين يديه مردداً " لا مشيئتي بل مشيئتك " (لو 22 : 42 ) . فالمناجاة هي ذروة اللقاء بين الله والإنسان والمسيح الإنسان علّمنا كيف نسير على خطاه في تلك العلاقة .

 يقول القديس أكليمنضوس الإسكندري " إني أتجاسر وأقول : الصلاة العقلية هي محادثة مع الله " والقديسة تيريزيا الأفيلية تصفها بأنها " تبادل صداقة فيه نتحدث وجهاً لوجه مع هذا الإله الذي نشعر بأنه يحبنا ". في الصلاة الصامتة ننتقل من مرحلة الطفولة الروحية إلى مرحلة النضج الروحي فلا نبقى عندها على الشاطئ بل نذهب مع المسيح إلى العمق . ولكن لا ننسى أبداً بأنّه ليس سهلاً عيش هذه الخبرة الإيمانية فنحن نحتاج إلى الصبر والإرادة والإيمان والتدرب التدريجي للصعود في سلّم الصلاة أي " أنْ نتعلّم " .

يروى أنه كان هناك أحد الفلاحين يريد تعلّم الصلاة من أحد النسّاك . وفي كلّ مرة يذهب إليه ويسأله يرد عليه الناسك " أود أنْ أقبلك , لكن ذلك ليس باستطاعتي " فيعود الفلاح حزيناً . وفي إحدى ليالي الميلاد ذهب إلى الناسك الذي كان يصلّي بعمق وبعد طول انتظار اقترب منه وسأله " أريد أنْ أتعلّم كيف أصلّي لأني أريد أنْ أجد الله " , حينئذٍ فتح له الناسك ذراعيه واستقبله " .

 

كيفية المناجاة :

ليست هناك طريقة واحدة للمناجاة فلكلٍ طريقته وخصوصيته التي يرتاح إليها . ولكن هناك نقاط هامة لا يمكن تجاهلها لكي نمضي في درب المناجاة "

1 ـ المكان : أنْ نختار مكان دائم نتردد إليه في صلاتنا , يمكن أنْ يكون زاوية في المنزل فيه هيكل

      صغير عليه أيقونة , صليب ... وكل ما يشعرنا بأننا في راحةٍ للقاء مع الله .

2 ـ الزمان : له أهمية كبيرة للقيام بالمناجاة فنختار زمن مناسب يومي لصلاة المناجاة نكون فيه أكثر

      استعداداً للدخول في الصلاة ( منهم يختار ساعة مبكرة صباحاً أو في منتصف النهار أو في الليل ) .

      المهم أنْ نبقى أمينين لوقت الصلاة وعدم تغييره بحسب الظرف .

3 ـ وسائل مساعدة : يفضل وجود وسائل تساعد المصلّي على القيام بصلاته ( شمعة , أيقونة ,

    موسيقى مناسبة... ) كذلك أنْ يكون المصلّي متحرراً مما يقيده من اللباس حذاء مثلاً فشعور الإنسان

    المصلّي وتحسسه للأرض بأخمص قدميه يعطيه راحةً واستقراراً في الصلاة .

4 ـ وضعية الجسم : له أهمية كبيرة في ممارسة صلاة المناجاة (سجود , ركوع وقوف )

5 ـ طريقة الصلاة : لا ننسى بأنّ الصلاة هي علاقة مع إله هو أب لنا يحبنا وينتظرنا , يرانا ولا نراه وهذا

     أمر صعب في البداية . نأتي إليه مشوشين تحملنا أفكارنا يميناً وشمالاً . لذلك من المهم جداً قبل البدء

     في الصلاة أخذ بضع دقائق من الصمت مع رسم إشارة الصليب وترداد جملة بسيطة مثل " ارحمني يا

     الله " .

     أما طريقة الصلاة فكل إنسان حرّ فيها ولكن يفضل قراءة نص من الكتاب المقدس ثمّ يليه صمت مع

     التأمل فيه وترك الروح القدس يقود صلاتنا . وبعد مرحلة الإصغاء لكلمة الله نعود تدريجياً إلى واقعنا

     بصلاة بسيطة مع رسم إشارة الصليب .

 

صعوبات المناجاة :

 ليست المناجاة صلاة سهلة وكذلك ليست مستحيلة لكن هناك صعوبات عديدة تعترضها أهمها :

1 ـ الاستمرارية والديمومة في ممارستها وعدم الفتور بعد الاندفاع , وبالتالي فإنّ الانقطاع عنها عدة أيام

      يشعرنا بعد مدة بالملل .

2 ـ الشرود أثناء الصلاة

3 ـ عدم الشعور بأي إحساس أو علاقة مع الله

4 ـ عدم تمكننا من إيجاد الوقت والمكان المناسبين

 

روعة المناجاة :

من لم يمارس صلاة المناجاة لم يختبر حقيقة عمق العلاقة الرائعة مع الله ومع مخلصنا يسوع المسيح . فالمناجاة لا تترك الإنسان في عالم آخر أو في حالةٍ من الحلم أو الخيال. إنّ المناجاة تدخلنا تدريجياً في حب المسيح والثالوث الذي يأتي ويسكن فينا ويحولنا إلى إنسانٍ آخر من دون أنْ نشعر بذلك مباشرة . من يعيش المناجاة ( مكرسين أم علمانيين ) يتذوق لذّةً وطعماً جديداً فيه نفحة الروح .

فلا ننسى بأنّ الروح يأتي لنجدة ضعفنا بأنّاةٍ لا توصف " ( رو 8 : 26 ) .