سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

مائة عام على ظهورات العذراء في فاطيما.. ارتدادات، توبة وصلوات

 

ما يستحق الذكر في هذا الموضوع هو أن هناك مشابهات بين ظهورات العذراء في مدينة فاطيما البرتغالية، وما حدث في مدينة لورد الفرنسية عام 1858، حيث لم تعط لهما أية أهمية منذ بداية الأحداث. لكن اليوم، رغم أن عدد سكان لورد الأصليين يصل عددهم إلى 15000 نسمة، إلا أنها تأوي ملايين السياح والحجاج سنويًا.

كذلك الحال في فاطيما التي لا يزيد عدد سكانها عن 11500 نسمة، لكنها تستضيف سنويًا ملايين الحجاج الذين بشرائهم للهدايا الدينية التذكارية يسهمون بقسم كبير في إغنائها اقتصاديًا. من دون أن نغفل الغنى الروحي في هذا المكان المقدس. فكم من شفاء روحي، وتوبة صادقة تحدث باستمرار أثناء أو بعد زيارة هذا الموقع؟. والجدير بالذكر أيضًا أنه عام 2009 دشنت كاتدرائيتها الجديدة التي تتسع لأكثر من 9000 مصلٍ، لتعد من كبريات كنائس العالم.

إلى جانب الظهورات، تميّزت لورد منذ بدايتها بحدوث عجائب غير محدودة، تحصل وتوعز كلها إلى القوة الإلهية الكامنة في نبعها العجائبي في المغارة. بينما يقوم لغز فاطيما على الأسرار الثلاثة التي كانت قد أفضتها مريم العذراء لأطفال لم يفهموها، لكنهم نقلوها بأمان لمن أدركها. وقد دارت وكثرت التوقعات والتنبؤات عنها، خاصة حول السر الثالث، الذي كان مكتومًا لفترة طويلة. حتى أنّ هناك من توقّع بحدوث حرب عالمية ثالثة أو حربًا نووية مدمّرة...

فبحسب الرائية لوسي، وبطلب من الأسقف، كتبت جميع ما سمعته من العذراء، وسلمته النص المكتوب بخطها عام 1941. هناك نبوءة بثلاث نقاط بقيت مكتومة إلى يوم الكشف عنها. ففي فترة الإنتظار هذه كم وكم من تعليقات كتبت حول هذه الأسرار خاصة على محتوى سرّها الثالث، الذي كان يحبس الأنفاس من تهويلاته التي ما كانت معروفة.

السر الأول كان نبوءة حرب ثانية ستحدث بعد وقت قصير من الحرب الأولى. وهذه كلمات لوسي: إن أمنا العذراء أرتنا طابة نار ملتهبة اخترقت قلب الأرض. وفي وسط هذه النار رأينا الشيطان والنفوس الهالكة كأنها في وسط فحم محترق بوجوه بشرية تتقلب في النار التي ترميهم كفي غيوم نارية يتساقطون كالشرارات المتفرقعة من حريق في كل جهة، كما ويسمع صراخ اليأس من أفواههم. أما منظر الشياطين فكانت كحيوانات مفترسة بشعة المنظر بلونها الأسود. ولأن الناس لم يتوبوا فقد حدثت الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها أكثر من 55 مليون من البشر، إلى جانب الدمار المادي والذي لا تزال دول أوروبا ترزح تحته.

أما السر الثاني، فلقد جاء وسط الثورة الشيوعية في روسيا في شباط 1917 وفحواه، كما كتبت لوسي، هو ارتداد روسيا بعد تكريسها لقلب العذراء الطاهر. وهذه كلمات لوسي: لقد رأيت جهنم، مسكن النفوس التعيسة الخاطئة. فمن أجل خلاص هذه النفوس يريد الله نشر التعبد لقلبي الطاهر. فإن عمل الناس بما أقوله لكم فستخلص نفوس عديدة وسيسود سلام. وستنتهي الحرب. لكن إن لم يعدل الناس عن إهانة الله، فسيحدث تحت بابوية بيوس الحادي عشر حربًا ضارية. فإن رأيتم في ليلة قادمة نورًا غريبًا، فاعلموا أنها علامة من الله، بها سيقاصص العالم على أعماله السيئة عن الحروب والمجاعات والاضطهادات ضد الكنيسة والأب الأقدس. ولكنني سآتي لمنع حدوث ذلك بتكريس روسيا لقلبي الأقدس ونشر التعبد له في كل أول سبت من كل شهر. فإن سمع العالم لطلبي هذا سترتد روسيا ويعم السلام. أما وإن رفضوا فسينتشر تعليم الشيوعية المعادي في كل أنحاء الأرض، فتزداد الحروب والاضطهادات ضد الكنيسة. فسيطال ذلك البشر الصالحين والأب الأقدس سيتألم كثيرًا. كما وإن أممًا ستزول. لكن ثقوا فبالتالي سينتصر قلبي الطاهر، والأب الأقدس سيكرس روسيا لقلبي الطاهر فترتد وسيعقبها فترة سلام طويلة. وقد صدقت هذه النبوءة حيث زالت الشيوعية وخطرها عام 1989 بهدم الستار الحديدي بين أوروبا الشرقية والغربية.

أما السرّ الثالث المذكور في مخطوط لوسي، والذي كتبته لاحقًا كما هو مؤرخ علية في الثالث من يناير عام 1944 مع ملحوظة على مغلّف مختوم سلّمته لأسقفها، بأنه لا يجوز الإفصاح عنه قبل عام 1960. وللعلم فقد ختم هذا النص عام 1957 وأحضر إلى أرشيف الفاتيكان السرّي، وبقي فعلاً محتواه مجهولاً ولم يُكشف النقاب عنه. فكان البابا يوحنا الثالث والعشرون ومن بعده يوحنا بولس الثاني (1978-2005) أوّل من اطّلعوا عليه وقرأوه لكنهم لم يفضوا بمحتواه. ويا للعجب فقد قررت السلطات الكنسية عدم الافصاح عنه للعامة. لذا وتعقيبًا على هذا الصمت الطويل فقد انتشرت أسوء التقديرات والتحذيرات من مستقبل مظلمٍ ومخيف حتى توقعات بنهاية العالم.

نعم بقي محتوى هذه المخطوطة للعالم سرًا وسريًا ليوم 26 يونيو 2000، عندما أعلن البابا بندكتس السادس عشر ورئيس حاضرة الفاتيكان الكاردينال تارشيسيو برتوني، ما كتبته لوسي: بعد ما أفضت لنا العذراء السّرين السابقين اللذين ذكرتهما رأينا إلى اليسار من فوق العذراء ملاكًا حاملاً سيفًا ناريًا في يساره، ينثر منه شعلات نار مُكثّفة في كل جهة، كأنه يريد بها إحراق العالم بأكمله. لكن للعجب كانت هذه الشعلات تنطفئ عندما تمر تحت يد العذراء اليمنى التي بها كانت تشير إلى الأرض وتصرخ بصوت عالٍ: توبوا! توبوا! توبوا! ثم رأينا في نور، الذي هو الله، شيئًا كأنهم أشخاص يمرون أمام مرآة، بينهم أسقف بلباس أبيض عرفنا أنه الأب الأقدس. ثم لحقه أساقفة كثيرون وكهنة ورهبان وراهبات، صعدوا كلهم إلى قمة جبل عالٍ، منصوب عليه صليب ضخم مغروس في جذور شجرة عملاقة كأنها الشجرة التي يُصنع منها فلّين القزائز. لكن الأب الأقدس وقبل أن يصل إلى القمة عند الصليب مرّ بطريق فرعية داخل مدينة كان نصفها مدمّر وسكان القسم الثاني يرتعدون كلهم خوفًا، فصلّى بورعٍ لنفوس الأموات المترامية حول طريقه. ولما وصل إلى قمة الجبل ارتمى على ركبتيه أمام المصلوب. وبينما كان على وقفته هذه دنى منه جماعة جنود وأطلقوا عليه النار ورموه برصاصهم وبالأسهم فأردوه قتيلاً. وبذات الطريقة مات الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات من حوله، بالإضافة إلى العديد من النساء والرجال من جميع طبقات البشر. ثم رأينا ملاكين تحت ذراعي المصلوب، ومع كلٍّ منهما إناء جمّعا فيه دم الشهداء وأسقوه للنفوس التي كانت تقترب من عرش الله تعالى.

أما تحليل هذا السرّ الغامض فلد أوعز إلى حادث محاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني من المهاجم التركي علي أقجا يوم 13 أيار 1981، حيث أصيب البابا بثلاث طلقات عيار نارية كادت تودي بحياته. وقد ألمح البابا نفسه نجاته من الموت المحقق إلى أعجوبة من العذراء مريم التي ظهرت لأول مرة في فاطيما للأولاد الثلاثة في 13 أيار 1917. لذا وبعد سنة من هذا الحادث المروع، وبعدما تعافى من جروحه، قام البابا بزيارة فاطيما ووضع واحدة من الرصاصات الثلاث التي علقت بجسمه في تاج العذراء كعلامة شكر منه لها. هذا وقد قابل البابا الرائية لوسي، وقامت بينهما علاقة صداقة روحية، إلى أن توفيت في 13 شباط 2005. وفي زيارته الثالثة لفاطيما سمح البابا بفتح قضية تقديسها. وما تزال جارية لغاية اليوم.

اليوم، وقد مرّ 100 عام على هذه القصة الرائعة، فقد قبل البابا فرنسيس أن يقوم أيضًا بزيارة إلى مدينة فاطيما البرتغالية للإحتفال باليوبيل المئوي الأول لهذه الظهورات، وسيقوم قداسته بإعلان كل من فرنسيس وشقيقته جاشنتا على مذابح القداسة. ومن يعرف؟ لربما سيعلن لوسي أيضًا قديسة، وهذا أمر بيده.

إن الإيمان بظهورات العذراء ليس عقيدة إيمانية كما نعرفها في قانون الإيمان، لذا فالإنسان غير ملزم بالإيمان بها أو بقبولها. لكن ما يهم في هذه الظهورات أنها تبعث دائمًا على إحياء الإيمان والتقوى والرجوع إلى الله تعالى، وهذا برهان على أنها علامات سماوية تذكرنا بما يردده الإنجيل. وهنا نتسائل: في أي مكان في العالم تحدث صلوات وتعبدات تقوية وتوبة واعتراف أكثر من لورد وفاطيما؟
 

abouna.org ألمانيا - الأب منويل بدر