English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

يقول الرب " توبوا إليَ بكل قلوبكم بالصوم والبكاء والندب، مزقوا قلوبكم لا ثيابكم" فتوبوا إلى الرب. الرب حنون رحيم، بطيء عن الغضب، كثير الرحمة، نادم على السوء" يوئيل 2: 12-13

 

أربعــاء الرمــاد

 
 
     
 

 

تبدأ اليوم، مع ليتورجية أربعاء الرماد، مسيرة الصيام الكبير التي تدوم أربعين يوما وتقودنا إلى الثلاثية الفصحية، ذكرى آلام وموت وقيامة الرب، نواة سر خلاصنا. إنه وقت مناسب تدعو خلاله الكنيسة المسيحيين إلى إدراك تدبير المسيح الفدائي بشكل أكثر حيوية وإلى عيش معموديتهم بشكل أعمق. وبالفعل، خلال هذا الزمن الليتورجي يقتات شعب الله بوفرة ومنذ البدء من كلمة الله ليتقوّى في الإيمان مستعرضا كل تاريخ الخلق والخلاص . يملك زمن الصيام، طوال مدة الأربعين يوما، قوة تعبيرية لا شكّ فيها. فهو يودّ بالفعل التذكير ببعض الأحداث التي طبعت حياة بني إسرائيل وتاريخها وإعادة عرض قيمتها النموذجية علينا أيضا: فنحن نتذكّر مثلا الأيام الأربعين للطوفان، التي قادت إلى العهد الذي قطعه الله لنوح أي للبشرية، والأيام الأربعين التي قضاها موسى على جبل سيناء، التي تبعتها عطية ألواح الوصايا. إن زمن الصيام يود قبل كل شيء دعوتنا إلى العيش مع يسوع مدة الأربعين يوما التي قضاها في البرية في الصلاة

 والصوم قبل أن يباشر رسالته العلنية. فنحن أيضا نبدأ اليوم مسيرة تفكير وصلاة مع جميع مسيحيي العالم كي نتوجه روحيا نحو الجلجلة متأملين بالأسرار الأساسية للإيمان. فنستعد هكذا، بعد سر الصلب، لاختبار فرح فصح القيامة. نقوم اليوم، وفي كل الجماعات الرعوية، بفعلٍ زاهد ورمزي هو وضع الرماد، وهذا الطقس ترافقه عبارتان مفعمتان بالمعاني تشكلان نداء نعترف فيه بأننا خطاة ونعود لله. تقول العبارة الأولى :" أذكر يا انسان أنك تراب وإلى التراب تعود". هذه الكلمات المأخوذة من سفر التكوين تعبّر عن الحالة البشرية الواقعة تحت ظلّ الفناء والمحدودية، وتبغي دفعنا إلى وضع كل أمل بالله فقط. أما العبارة الثانية فتستوحى من الكلمات التي تلّفظ بها المسيح في بداية رسالته المتنقلة:

" توبوا وآمنوا بالإنجيل". إنها دعوة لوضع الانتماء الثابت والواثق بالإنجيل كأساس للتجدّد الشخصي والجماعي. وحياة المسيحي هي حياة إيمان مبنية على كلام الله ومنها تقتات. ففي تجارب الحياة وعند كل تجربة يكمن سر الانتصار في الإصغاء إلى كلمة الحّق ورفض الكذب والشر بكلّ تصميم. هذا هو البرنامج الصحيح والمركزي لزمن الصيام: الإصغاء إلى كلمة الحّق، عيش وقول وفعل الحّق، رفض الكذب الذي يسمّم البشرية وهو باب كافة الشرور. إنه إذن لمن المُلِح الإصغاء من جديد، في هذه الأيام الأربعين، إلى الإنجيل، إلى كلمة الرب، كلمة الحّق، لكي يقوى في كل مسيحي، في كلّ واحدٍ منا، إدراك الحقيقة المعطى له، المعطى لنا، ولكي يعيشه ويشهد له. وزمن الصيام يدفعنا الى هذا، إلى أن ندع كلمة الله تدخل حياتنا وإلى معرفة الحقيقة الأساسية: من نحن، من أين نأتي، إلى أين نذهب، أي سبيل نسلك في الحياة. وهكذا يقدّم لنا زمن الصيام مسيرة زهدية وليتورجية تفتح قلبنا لمحبة المسيح الرحومة في الوقت نفسه الذي تساعدنا فيه على وعي ضعفنا.

 

وفيما تقربنا من الله، تسمح لنا مسيرة الصيام بالتطلع الى إخوتنا وحاجاتهم بأعين جديدة. من يشرع برؤية الله وبالنظر إلى وجه المسيح يرى بنظرة أخرى أخاه أيضا، يكتشف أخاه، خيره وشره وحاجاته. ولهذا فإن الصيام، كفترة إصغاء للحقيقة، هو زمن ملائم للاهتداء إلى المحبة لأن الحقيقة العميقة، حقيقة الله، هي في الوقت عينه محبة. وفي اهتدائنا إلى حقيقة الله يلزمنا بالضرورة الاهتداء إلى المحبة. محبة تعرف كيف تستحوذ على موقف الرب المليء بالرأفة والرحمة :" وعندما رأى يسوع الجموع تحّنن عليهم"، وفي إدراكها لرسالتها في العالم لا تكّف الكنيسة عن الإعلان عن محبة المسيح الرحومة والتي لا تزال تنظر بعين الرأفة إلى البشر والشعوب في كل زمان. أمام تحديات الفقر الرهيبة لقسم كبير من البشرية يضع عدم الاكتراث والتقوقع في الأنانية نفسيهما في تضاد لا يُطاق مع نظرة المسيح. إن الصوم والصدقة اللذين تدعو إليهما الكنيسة،

بالإضافة إلى الصلاة، في زمن الصيام بنوع خاص هما فرصة مؤاتية لكي نتمثل بتلك "النظرة" بنظرة المسيح، لنرى أنفسنا والبشرية والآخرين من خلال نظرته هو هذه. بهذه الروحانية في جوِّ الصيام الزاهد والخاشع الذي هو بالضبط جو محبة أخوية.

 فلتكن أيام تفكير وصلاة عميقة ندع فيها كلمة الله تقودنا، تلك الكلمة التي تقترحها علينا بوفرة الليتورجيا. فلتكن فترة الصيام أيضا زمن صوم وتوبة يقظة على أنفسنا، مقتنعين بأن الصراع مع الخطيئة لا ينتهي أبدا حيث أن التجربة هي واقع يومي وأن الهشاشة والوهم هما محط اختبار للجميع. وليكن الصيام أخيرا، ومن خلال الصدقة والإحسان إلى الآخرين، فرصَة مشاركة صادقة مع الإخوة في العطايا الموهوبة وفرصَة انتباه لحاجات من هم أكثر فقرا وهجرانا. فلترافقنا مريم أم الفادي، وهي معلمة إصغاء وانتماء صادق إلى الله، في مسيرة التوبة هذه. فلتساعدنا العذراء الكّلية القداسة في الاحتفال بالسر الكبير، سر فصح المسيح، بفكر وروح طاهرين ومتجددين. بهذه المشاعر أتمنى للجميع فترة صيام خيرة ومثمرة.

 

 

خبرة البريــة