English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

 
 
 

كيف عاشت الطوباوية ماري الفونسين محبتها للقريب؟ ج2

 
 
 
 

  يقول الربّ: “أحبب الربّ الهك بكلّ قلبك، وكلّ نفسك وكلّ قوّتك، وكلّ ذهنك. والثانية التي تشبهها أحبب قريبك حبّك لنفسك" (لوقا:10، 27).

في مدينة القدس آنذاك، حيث ان الديانة الكاثوليكية تمثل الاقلية، كانت الأم ألفونسين مهتمة فوق كلّ شيء بخلاص نفوس الآخرين. لقد كرّست نفسها للعناية بالأيتام والفقراء في بيت لحم منذ أن دعاها بطريرك القدس لهذه المهمة. عندما برزت المبادرة للمساعدة وللتخفيف عن أكثر المحتاجين والمرضى مثل مساعدة المرأة الضريرة على الشفاء بشفاعة العذراء، والرجل المدنف على الموت بالشفاء بشفاعة العذراء وبفاعلية المسبحة الوردية وكذلك انتشال فتاة يافا الناصرة وفتاة القدس من البئر، وبمفعول الزيت العجيب في بيت لحم ساعدت الكثيرين على الاستشفاء من أمراضهم وإنجاب أطفال لسيّدات مضى على زواجهنّ سنوات وبفعل زيت قنديل العذراء هذا والإلتجاء إلى شفاعتها بإيمان وثقة نلن مرادهنّ.

        لقد كتب الأب بندكتوس شتولتس في سيرة حياتها ما يلي:

        "لقد طلب البطريرك بيافي من الأم ألفونسين أن تنشئ، في بيت لحم، وفي أسرع وقت ممكن مشغلاً للخياطة لتعليم الفتيات الفقيرات". وأوصاها في الختام باكبر قسط من التحفظ، واضعاً إصبعه على شفتيه تعبيراً عن ذلك - واكتفى بان عرّفها بمحسنة فرنسية تدعى: "مدام بيكار" وهي التي كانت قد أبدت رغبتها في المشروع وكفلت نفقاته وقد أرسلت مبلغ 500 فرنك دفعة أولى على أن يبدأ العمل دون إبطاء. أما السيدة فجعلت عطاءها مرهوناً بالتزام غبطته بتوقيع كتاب كانت تنوي إرساله الى الدير الرئيسي لراهبات القديس برونو (Les Chartreuses) في فرنسا. وافق البطريرك على الشرط في بادئ الأمر ولكنّه رفض التوقيع فيما بعد وتوقفت المساعدة  (مخطوط أول ص 15).وهنا بدأت المعاناة ماليا:- ففهمت أن الله عزّ وجلّ ينوي زجّها من جديد في موقف حرج، لكنها قبلت المشروع على صعوباته بفرح لأنه بذلك كانت تتحقق أمنية المؤسّس الذي كان ينوي إنشاءه لو بقي على قيد الحياة. فلما شعر بسوء صحته ودنوّ أجله، استدعى تلك التي كانت أقرب الناس إلى فكره وروحه، وأبدى لها رغبته في إنشاء ميتم للفتيات في بيت لحم، على غرار ذاك الذي أقامه الأب بللوني للأولاد، على أن تضاف إليه مدرسة للخياطة والتطريز. كان القصد منه مساعدة الفتيات المعوزات على إيجاد وسيلة لكسب أسباب المعيشة. ومما قاله المؤسّس للأم ماري ألفونسين ما يلي: “إذا منّ عليّ الربّ بالشفاء سيكون ذلك أول عمل أقوم به، وإلاّ فاني أعوّل عليك في إنجاز المهمّة. وأتوقع أن تبذلي قصارى جهدك”. (مخطوط ثاني، ص 12). وأضاف موضحاً إن راعي طائفة بيت لحم الأب فرنسيس فرّا كان قد ألحّ عليه في طلب المشروع، واستعد للمساهمة فيه. جرت تلك المقابلة بينهما في العاشر من أيلول أي قبل وفاة المؤسّس بعشرين يوماً فقط. على أثر وفاة المؤسّس، شعرت بثقل الرسالة التي أؤتمنت عليها. وبلغت حيرتها شأواً بعيداً أولا لأنها لم تكن عضواً في المجمع العام للرهبانية الذي ينفرد بحقّ تقرير المشروعات الجديدة، وإذا أقدمت على عرض الفكرة، هل سيتفهم المسؤولون موقفها؟ وزادت حيرتها ثانيا لأن بيت لحم كانت بلدة صغيرة، فيها مدرستان لراهبات القديس يوسف تقومان بتربية الفتيات. وكانت قد عملت بنفسها بين صفوفهنّ عشرين عاماً ونيفاً فخشيت أن يعتبرن تجرّؤها على ذلك العمل ضرباً من المنافسة الرخيصة، مما سيوقظ فيهنّ حزازات الماضي التي أفلح عامل الزمن في إخـمادها. وتساءلت عمّا إذا كانت تلك مشيئة الربّ. ولم يقدها تفكيرها الى أية نتيجة. وعبثاً حاولت أن تصلّي لتبصر نور الحقيقة. فالعذراء القديسة لم تعد تتراءى لها، وزمن الظهورات كان قد ولّى. أما البطريرك بتوجيهه الطلب إليها بمباشرة العمل فكانت عناية ربانيّة لتخرجها من حيرتها وتخوفّها، فذهبت الأم ألفونسين الى الدير لاطلاع أختها الأم حنّة على ما سمعته من البطريرك؟ فتقرّر توّاً إيفادها الى بيت لحم برفقة الأخت جوزفين أبو صوان وهي راهبة شابة أنهت مرحلة الإبتداء منذ وقت قريب. ويوم عيد قلب يسوع الأقدس توجهتا معاً الى بيت لحم وعرّجتا على كاهن الرعية الأب فرنسيس فرّا. وكان ذلك في حزيران سنة 1893. (مخطوط ثاني ص 12، 13).

        وبصفة كونها كانت كلّها مشبعة بروح المحبّة، هذا الحبّ الذي تمّ تحت تأثير الروح القدس، هو الذي دفع الأم ماري ألفونسين بالتضحية والعطاء دون حدود من أجل الفقراء. وأيضا لقد اقتدت بأمومة العذراء مريم في محبّتها الكاملة للكنيسة المقدّسة وللمهمّشين في الحياة التي تستحقّ جيداً أن تسمّى أمّاً. هذا اللقب الذي سنلقبها به من الآن وصاعداً. كما سنرى الآن في كيفية إدارتها للمشروع ومدى اهتمامها بالفتيات روحياً ومادياً وغيرتها على خلاص نفوسهنّ النابعة من عمق المحبة الإنجيلية. قال يسوع “إني أعطيكم وصية جديدة! فليحبّ بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم، فيعرف الناس جميعا أنكم تلاميذي اذا أحبَّ بعضكم بعضاً” (يوحنا 13،34-35)، تقول، إن الكاهن أحسن استقبالهما وأمّن لهما مسكنا مؤقتا ريثما يتمّ إيجاد مقّر ثابت.وللحال شرعت الأم ماري ألفونسين تبحث عن بيت مناسب. فوجدت مرامها في شقة متواضعة كان يملكها السيّد مبارك دعيق” فسكنتها الراهبتان راضيتين بالضيق تاركتين معظم المكان لأغراض المشغل. ولئلا تثقلا كاهل الأب فرنسيس اكتفتا بالحدّ الادنى من الإنفاق. وكان ذلك التقتير موافقا لميول الأم ألفونسين ورغبتها في التقشف. وكتبت تقول: “كانت تعزيتنا عظيمة بفقرنا المدقع، وكنا نحتمله ونقدّمه تعويضاً عمّن لا يلتزم الفقر في رهبانيتنا. وكنا نفرح بالاشتراك في فقر العائلة المقدّسة في نفس البلد الذي احتملت فيه عذاب الفقر التام، فيا لسعادتنا بنيل هذه النعمة من كرم الطفل يسوع!”. (مخطوط ثاني ص 13).

        ومنذ اليوم الأول، أقبلت إليهن فتيات من أفقر عائلات بيت لحم. وبدأن يتعلّمن مبادئ القراءة والكتابة. ثم تقرّر تدريبهنّ على أعمال الخياطة والتطريز وصنع السبحات. اكتظت الشقة بالطالبات حتى ضاقت بهنّ. فوجب البحث عن مكان آخر. فاستأجر لهنّ الأب فرنسيس بيتا بكامله كان ملكا للسيد “ميكيل” وبالرغم من صغر مساحته فقد وجد كافيا في ذلك الحين. واصلت الطالبات طلب العلم بشغف عظيم، وكان للصلاة واكرام العذراء مكان الصدارة في البرنامج اليومي. وهل كان في وسع راهبتنا الورعة أن تنسى إيحاءات العذراء بشأن راهبات الوردية وقد حظيت بها على بعد خطوات معدودات؟ وفي غضون ذلك جرى أمرٌ بالغ الأهمية حمل الفتيات على اكرام العذراء أكثر من ذي قبل وساهم في تعظيم السبحة في نظرهنّ. وهي شفاء الضريرة التي تسكن في جوار الدير وهي عقيلة السيد حنا عيسى قطان (كما ذُكر سابقاً).

        وازدهر المشروع وتضاعف عدد الفتيات حتى ضاق بيت السيّد ميكيل بأعدادهنّ المتزايدة، فارتحلت الراهبات من جديد الى بيت السيد مبارك دعيق بعد موافقته على تأجيرهنّ البيت بكامله. وبلغ عدد عاملات المشغل خمسين فتاة. وكنّ يخطن الملابس ويطرزن ويحكن ما يحتاج اليه الهيكل من كساء. وكان رهبان القديس يوحنا عبدالله الذين مقرّهم على رابية الطنطور في بيت لحم، يستغلّون نفوذهم الواسع لاستقطاب أكبر عدد من المشترين لنتاج المشغل. واذا به يدرّ بعض الربّح. فقرّرت القائمات عليه أجرة أسبوعية للفتيات. وعلى صعيد النشاطات الأخرى، تأسّست “أخوية الوردية” بموافقة كاهن الرعيّة. فاجتذبت في وقت قصير تسعاً وثلاثين سيدة عدا طالبات المدرسة. (مخطوط ثاني، ص 14).

        وعملاً بوصيّة المؤسّس للأم ماري ألفونسين قبيل وفاته فتحت المدرسة أبوابها لاستقبال اليتيمات بعد أن أنشىء لهنّ قسم داخلي خاص. فلم يعد البيت يتّسع للمشروعات جميعاً، فوجب الانتقال الى مكان آخر، وأضف الى ما سبق سبباً آخر للرحيل هو إصابة الراهبتين بداء في العين لسوء الأوضاع الصحّية في تلك البيئة. ووجدت الأم ألفونسين مرامها في بيت السيد “لولص” بالقرب من كنيسة الآباء السالسيين، وكان المقّر الجديد أكثر اتساعاً وأنقى هواء. وبمحاذاة الميتم أنشئت عيادة طبيّة أخذ يرتادها مرضى كثيرون. (مخطوط ثاني، ص 14).

        تنوّعت النشاطات وانتظمت وفقاً لبرنامج يومي دقيق. فبعد القداس كانت الطالبات يمضين الى الصفوف والعاملات الى المشغل. وكنّ جميعا يتلون الوردية الكاملة، ويستمعن الى قراءة روحيّة والى درس ديني في شرح العقائد والأسرار وكيفيّة اكرام العذراء، ومجمل القول أنهنّ جميعهنّ كنّ يجنين ثقافة دينية جيّدة وقسطا كبيراً من العلوم والتدريبات النافعة.

          وكان الأب فرنسيس يرقب سير الأمور برضى واطمئنان. واهتّم بتأمين العمل المناسب لخريجات المدرسة حيثما وجد الى ذلك سبيلاً. إلاّ أن الجزء الاكبر من المسؤولية كان يقع على عاتق الراهبات. ولم يلبثن أن واجهن قضية هامة، فكيف يمكن منذ ذلك الوقت وصاعداً إعالة تلك الأسرة الكبيرة المتزايدة؟ سيّما وأن “مدام بيكار” التي كانت قد أخذت على نفسها تحمّل كلّ نفقات المشروع، لكنّ حدود سخائها لم تتجاوز خمسمائة فرنك. وكأن البطريرك لم يستصوب التوقيع على كتابها الآنف الذكر فانقطعت الاتصالات بين الطرفين.

        ولم تكن الصدقات القليلة وما يدرّه المشغل من ربح تفي بالحاجات المادية الملحة لاسيّما حاجات اليتيمات اللواتي كان عددهنّ في ازدياد مستمر. وفي عام 1895وصلت الأزمة الى طريق مسدود وأمست تنذر بانهيار المشروع. وبلغت الأخبار مسامع القنصل الفرنسي في القدس، وهو السيّد “ليدو” الذي كان يتابع بعطف واهتمام نشأة المشاريع الدينية والاجتماعية. فأثار الأمر الطارىء قلقه. فزار الميتم، واطلع على سير الأمور بتفاصيلها، فأعجب بالنشاط الملحوظ والملموس واثنى على جهد الراهبات وأوصى زوجته ببذل كلّ ما في طاقتها لانعاش تلك النشاطات الإنسانية. ومن الطبيعي أن كان لهذه الزيارة تأثير بالغ في نفوس سكان بيت لحم أجمعين. وفى القنصل بوعده. وعيّن لهنّ مبلغاً شهرياً قيمته 500 فرنك. كما قامت السيدة “ليدو” عقيلته باتاحة فرص عمل أفضل لليتيمات. (مخطوط ثاني، ص 15،16).

        وكان من شأن هذا العون انعاش المشروع وتنشيطه من جديد. ولكن ينبغي ألاّ يوهمنا ذلك أن راهبات بيت لحم ويتيماتهنّ كنّ يعشن في رفاهية ورغد، وفي كلّ مرة يكنّ في وقت عسير، تلجأ الأم ألفونسين وبناتها الى الصلاة والعناية الإلهية لم تخيّب أملهنّ.

        وبفعل الصلاة مع بناتها تروي لنا الأم ألفونسين كيف استطاعت أن تنتصر على المكائد الشيطانية، التي ألقت الفزع في قلوب الفتيات والنساء بعد ظهر أحد الأيام وهنّ يقمن بغربلة القمح في الساحة قرب البئر. ووفقا للعادة المتبعة أثناء العمل كنّ يصلين السبحة. وما أن انتهين من أسرار الفرح حتى سمعن ضجيجاً غريبا انبعث من البئر المجاور وعلا على الاصوات الأخرى كلّها ولم يتمكنّ من مواصلة الصلاة. ومن شدّة الفزع رسم الجميع اشارة الصليب وأخذن يرددن اسمي يسوع ومريم. لكن الضجيج لم يضمحل، فتقدّمت أجرأ الفتيات الى البئر وفتحت بابها وإذا بحيّة رقطاء عريضة الرأس ضخمة الجسم تتخبّط وتتلوّى محدثة صخباً شديداً شديداً. وكان ظهر الحيّة مغطى بقشور حادّة. وعلا صراخ الفتيات وهرع الجيران والعمال الذين كانوا يشتغلون في تلك الناحية متسلّحين بالخطاطيف وراحوا يبذلون جهدهم في القبض على الحيّة واخراجها من البئر ولكنهم باؤا بالخيبة. وانتشر الخبر بسرعة البرق فتألب الفضوليون من كلّ حدب وصوب. ثم أقبلت راهبات المحبة من المستشفى الفرنسي القريب وأعقبهنّ كاهن سالسي أحضر بطرشيلاً ومنضحة للماء المقدس. وما كاد ينهي صلاة “التعزيم” وينضح البئر بالماء المقدّس حتى كفّ الضجيج وغاب الحيوان عن البصر وكأن شيئا لم يحدث، وساد الاعتقاد أنه غاص في أعماق البئر. وفي اليوم التالي كانت مياه البئر صافية عذبة كصفائها وعذوبتها المعتادين ولا أثر فيها للأفعى. وشربت منها الراهبات والطالبات دون أن يصبن بأذى حتى آخر الصيف، ولما أقبل الخريف وقد نزفت مياه البئر، تقرّرغسلها وتنظيفها استعداداً للموسم المقبل، وآنذاك لم يجد العمال للحية أثراً. وتيقّنوا أن ابليس لم يكن يريد إلاّ نفث الحقد المتوغّر في صدره، واذ لم يقدر على الأذى مباشرة اكتفى بتكدير صفاء ذلك البيت الذي اختصته العذراء بالحماية والمنعة. (مخطوط ثاني، ص 16،17).

        وتكرّرت فيما بعد حوادث مماثلة لم تسفر إلاّ عن القاء الخوف في روح اهل البيت زمناً قصيراً. ففي الساعات الأولى من إحدى الليالي همّت الأم ماري ألفونسين بنقع الثياب تمهيداً لغسلها في اليوم التالي. وكانت الطالبات قد آوين الى الفراش، فأيقظت احداهنّ لمساعدتها، وفي تلك اللحظة سمعت جلبة أصوات مزعجة هزّت كلّ أرجاء البيت. واذا بحجارة لا يحصى عددها تنهال على الأبواب والنوافذ والجدران الخارجية. فصرخت الأخت مارتينا مذعورة: “ماذا سيحدث لنا؟” فاجابت الأم ألفونسين بهدوء: “حسبنا أن نستجير بالعذراء القديسة”. وشرعن في تلاوة سبحتها فانتهى قذف الحجارة التي لحسن الحظ، لم تجرح أحداً ولم تحدث أي ضرر. وفي اليوم التالي جمعت منها الأخت مارتينا كمية كبيرة.

        وهكذا بفعل ايمان الأم ألفونسين الراسخ بالله وحياتها التي محورها الصلاة والتأمل، أثار ثائرة ابليس وعزم على أن يعيث في المشروع فساداً. فهو كما وصفه القديس بطرس "كالأسد الزائر يرود في طلب فريسة له..." (ابط 5: 8). ولكن قدرة الربّ تقيده ولا تأذن له بهدم مشروعات أحبائه وأصفيائه. وكلّ ما يستطيع فعله انما هو ازعاجهم وادخال الفزع الى روعهم، تعبيراً عن حقده وغيظه. والتاريخ المسيحي حافل بهذه التدخلات الشيطانية التي اعتادها القديسون ولم يعودوا يكترثون لها. ويقدّم لنا القرن التاسع عشر أمثولة حيّة في شخص القديس “يوحنا فياني” خوري قرية آرس في فرنسا.

        ومجمل القول إن دير الأم ماري ألفونسين كان واحة صلاة وخير وبركة. وقد بقيت الراهبة قائمة على خدمته حتى سنة 1909. وطيلة تلك المدّة لم تتوفقّ في ايجاد مقرّ ثابت بل كانت تنتقل من مأوى الى آخر بحثا عن الأنسب والافضل. وكانت تعدّ نفسها محظوظة بأن تقتدي بالعائلة المقدّسة التي أتت بيت لحم ليلة الميلاد، وبدون جدوى قرعت باب الفندق حتى انها في النهاية لم تجد لولادة ابن الله المتجسّد مكاناً سوى مغارة مهجورة. ولما استدعيت الى الدير الرئيسي، كانت لا تزال تبحث عن بيت جديد تنتقل اليه ويتيماتها...

        وفي عام 1917 قرّرت المسؤولات في الرهبانيّة تحويل منزل دانيل غطاس الذي امتلكته الرهبانيّة سنة 1910 في عين كارم، في محاذاة كنيسة الزيارة، قرّرن تحويله الى ميتم. وعهدن بمهمّة انشائه إلى الأم ماري ألفونسين. فغادرت القدس وهي في الرابعة والسبعين من العمر عائدة الى منزلها الريفي القديم حيث كان يطيب لها قضاء العطلة الصيفية أثناء طفولتها وحداثتها. ولم تكن في شيخوختها أقلّ سعادة من السابق. فمضت الى هنالك راضية كلّ الرضى لأنها ستكرّس في ذلك البيت الغالي قواها الأخيرة لخدمة المحبة. ولكنّ صحتها. للأسف، بدأت تضعف وتخور ولم تعد تطاوعها على العمل. وفي تلك السنة، أعفيت الأم حنّة من مسؤولياتها وانتخبت مكانها الأم وردة معمّر رئيسة عامة. فارتأت الأم حنّه الرئيسة السابقة الالتحاق بأختها لتضطلع بمسؤولية الميتم عوضا منها.

        وهكذا أتيح للأم ماري ألفونسين العودة الى حياتها. التأملية، دون أن تكفّ عن القيام ببعض المهمّات البسيطة. فكانت على أتمّ الاستعداد لتأدية أية خدمة تكلها اليها أخواتها الراهبات. أمّا ما فضل من وقتها فكانت تقضيه في الكنيسة، تصلي الوردية وتتأمل في أسرارها. لأنها لم تنس يوماً أن العذراء أوعزت اليها بقولها: “أريد أن تتلى في الدير الوردية الدائمة نهاراً وليلاً”. (مخطوط أول، ص 43).

        واعتاد الباحث عنها أن يلقاها قائمة تصلّي هناك. ولدى سماعها لأي نداء، كانت تبرح مكانها بسرعة، مفارقة الربّ من أجل الربّ، تاركة عبادته من أجل خدمته في شخص القريب. وبعد تأدية ما عليها، سرعان ما كانت تحتلّ مكانها السابق أمام القربان الأقدس. وقد استحقت مدح كاهن الرعيّة في بيت لحم بعد انشائها ثلاث أخويات، واحدة لبنات مريم الفتيات، وثانية باسم أخوية قلب مريم الطاهر للأمهات المسيحيات، وثالثه إكراما للقديس يوسف، فكان الكاهن يقول أمام أقاربها: “انها راهبة قديسة. كيف لا وقد أصبحت الوردية صلاتها المفضلة والتي تقضي بتلاوتها جميع أوقات فراغها سواء كانت في الكنيسة أم في الدير أم في الشارع حتى كان الناس يلقبونها مع أخواتها باسم (راهبات السلام عليك يا مريم)". (مخطوط أول، ص 63). (مخطوط ثاني، ص 2).

        وهكذا نرى أن الأم ألفونسين قد عزمت أن تكرّس كلّ حياتها على بذل أقصى جهدها في زرع بذور الإيمان والرجاء ومحبة الله والقريب. وزرع بذور الفضيلة ومحبة العذراء في نفوس بناتها الصغيرات. محبتها لله ظهرت في الحماس بكلّ النشاطات الرسولية مع الفتية. وفي طبعها الهادي كانت رصينة متّزنة العقل. وتواضعها الذي ميزها عن الجميع. كانت تتجنّب الظهور ولا ترى إلاّ في العمل الصامت الخفيّ محبة لله وليس بالبشر. لذلك قدّمت محبّة بطولية عندما أخفت طيلة حياتها بأنها مؤسّسة وأنها هي التي شاهدت العذراء وتسلّمت الرسالة منها لتأسيس الرهبنة، كما وأنها هي التي تسلمّت من العذراء بناء على طلبها الرسالة باتخاذ الأب طنوس مرشداً ومساعداً لها في تأسيس الرهبانيّة لأنها آنذاك لم تستطع مباشرة العمل وهي ما زالت في رهبانية القديس يوسف... وهذا ما سبّب لها مشاكل ومتاعب عانت بسببها آلاماً وعذابات شديدة من الإذلال والإهانة وأنها لم تجب على ذلك سوى بالتسامح والصبر وأفعال المحبّة دون التأفف والتشكي من الاشخاص الذين كانوا السبب في ذلك، كما وانها لم تلجأ يوما للتنديد أو الاغتياب لأي أحد كما وأن أحداً قد سمع منها كلمة سوء ضد أحد وفي حقّ أحد أيا كان حتى ولو كان من مضطهديها. حتى الأم روزالي التي تفننت في اضطهادها وتأديبها والإساءة لها وحرمانها من أساسيات الحياة الروحية والمادية، فما كان منها سوى أن تصفح عن الإساءة وتقابلها بالحسنى وكأن شيئا لم يحدث، وهي كانت السبّاقة الى تحية الراهبات دون أن تنتظر مبادرة من احداهنّ، رغم أنها كانت أكبرهن سناً. فكان شعارها “باركوا مضطهديكم باركوا ولا تلعنوا” (رومة12،14). لا تقولنّ لبعضكم السوء على بعض" (يعقوب4،11) "لا تردوا الشتيمة بالشتيمة، بل باركوا، لأنكم لهذا دعيتم. “لترثوا البركة”. (1بطرس 3،9)، “البسوا ثوب المحبة، انها رباط الكمال” )قولسي3،14). “المحبة حليمة مترفقة، المحبة لا تعرف الحسد ولا العجب ولا الكبرياء، ولا تفعل السوء ولا تسعى الى منفعتها، ولا تحنق ولا تبالي بما ينالها من السوء ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحقّ. وهي تعذر كلّ شيء وتصدّق كلّ شيء وترجو كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء" (1 قورنتس 13،4-7). "المحبة لا تزول أبداً، بيد أن النبوءات تزول والألسنة تصمت والمعرفة تزول، لأن معرفتنا ناقصة ونبواتنا ناقصة" (1 قورنتس 13: 9-10). "اليوم أعرف معرفة ناقصة، وأما يومذاك فسأعرف مثلما أنا معروف[1]. فالإيمان والرجاء والمحبة هي الثلاثة الباقية، وأعظمها المحبة” (1 قورنتس 13، 12-13) وهنا نثبت ما سبق شهادة الأخت فرانشيسكا الى الأم حنّة بعد مراسيم تشييع جثمانها ودفنها. “كان ليّ الحظ أن أعيش ستّ سنوات في بيت لحم برفقة الأم ماري ألفونسين. وتمكنت خلال المدة من الاطلاع على فضائلها لاسيما فضيلة المحبة.واجزم باني لم أسمعها قط تطعن في صيت القريب.ولقد أعجبت بصفتين أخريين هما حبها للمساعدة واكرامها لسيدة الوردية.ولم تكن تكفّ عن تلاوة السبحة كلّما سنحت لها الفرصة لاسيما برفقة الصغار”. (ز.م. ص 199-200).

 


 

[1]أ عرف معرفة تشبه معرفة الله لي.


 

 
     
 

كيف عاشت الطوباوية ماري الفونسين فضيلة المحبة لله أولاً وللقريب ثانيا ؟  ج1