English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

السلام الداخلي في الإيمان بحب الله لي (الفصل الثالث)

 
 
   

 

" ولذلك أقول لكم: لا يهمنّكم للعيش ما تأكلون ولا للجسد ما تلبسون أليست الحياة أعظم من الطعام والجسد أعظم من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الاهراء، وأبوكم السماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها بكثير! ومن منكم إذا اهتمّ، يستطيع أن يُضيف إلى حياته مقدار ذراعًا واحدًا ؟ فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبره والباقي يزاد لكم. ولا يهمنّكم أمر الغد، فالغد ُّيهتم بنفسه. ولكل يوم من العناء ما يكفيه".

تناولنا في الجزئين السابقين دور الفرد في خلق السلام الداخلي بنفسه، لكننا في هذا الجزء سنتناول دور العلاقة بالله في الوصول إلى حالة من السلام الداخلي في حياتي.

أنظر إلى العشب، انظر إلى الطبيعة، كلها تعيش في سلام دائم، تؤمن بأن الله يعيلها، هذا الإحساس نسميه الإيمان، فهو الشعور بأن ما يحدث لي، إذا أرجعته إلى الله بثقة، أؤمن بأنه يحوّل الشر إلى خير. فأي أحداث تمرّ في حياتي، وأي مصيبة، وأي خطأ إذا رفعته إليه أو قلت له، أقدم إليك هذا، وأنت تعرف أني لا أملك الحل. فإذا كان لديّ الحل، وَجَبَ عليّ أن أتدخل وأوضحه أولا، لأن الله منحني عقلاً ولسانًا ويدين حتى أعمل كل ما أستطيع أن أعمله. وفي النهاية، إذا لم أجد الحل، وجدت الطريق مسدودًا أمامي، فإما أن ينتابني اليأس والقلق، أو ألجأ إلى الإيمان .

إن كل ما تكلمنا عنه، وعن قدرة الإنسان ليصل بقواه الطبيعية إلى السلام الداخلي هو صحيح، ولكنه غير كافٍ. فإنك قد تحاول كثيرًا بقواك الشخصية، ولكنك ستصل لبعض الأوقات وتقول:" يا رب أني غير قادر... أنقذني" وقد لا يكفي إيمانك وتصيح " أمنت، فشدد إيماني الضعيف".

 

سلام الإنسان الداخلي يتحقق حين ينفتح على هذه القوة العليا، التي يجد فيها الطمأنينة. هكذا صرخ التلاميذ في السفينة "يا رب ، نجنا لقد هلكنا " فمن غيره يقدر على عواصف الحياة ؟ هنا يكمن سرّ السلام الداخلي . فانا أعيش في سكينة. لا لأني لا أصادف مشاكل، بل لتمسكي بالإيمان.

 

يكفيك أن تؤمن بحب الله لك

كثيرًا نردد في صلواتنا : يا رب أنا أحبك من كل قلبي... هذه كذبة كبيرة. فمن منا يستطيع أن يحب الله كذلك؟ ما يجب قوله " يا ربي أنا أؤمن بأنك تحبني بكل قلبك بكل قدرتك، وبكل ما فيك". حب الله حب بلا شروط وبلا قيود. الله لا يحتاج أعمالنا، بل الأعمال هي نتيجة تلقائية للايمان ." ايمان بحب الله المطلق لي".

 

حبه مجاني

لا تحاول أن تشتري حب الله لك، فهو حب مجاني. لا يتطلب منك أعمالاً. لأن الأعمال يجب ان تكون ردًا على هذا الحب. يكمن عمق الدين المسيحي في الإيمان بحب الله لنا، وفي الإحساس بفقرنا التام أمام حب عظيم ومجاني كهذا، هذا الحب هو نعمة مجانية يجب أن يتقبلها الإنسان بشكر، ويمجد الله على ذلك وإلا اختنق كل ما يملك من جراء أشواك الأنانية. " من حفظ حياته يفقدها ومن فقد حياته في سبيلي يحفظها ".

مجانية العطاء من جهة أخرى، في النعمة هي نقطة يجب ان نشعرها في حياتنا، ولا سيما في عالم أصبح لكل شيء فيه ثمنًا حتى أنه أصبحنا نطبق هذا المبدأ في تصرفنا مع الله! ثق أن الله لا يريد منك مقابلاً، بل يطلب الإيمان. تعال إلى الله لا لأنك تملك تقدمة "يا رب أعطني أن أنجح في الامتحان وسأشعل لك عشرة شمعات". بل لأنك لا تملك شيئًا لتقدمه له، وهو سيعطيك. تعال فارغ اليدين لأنك تؤمن بحبه لك، وإذا كان مفهوم الحب في مجتمعنا قد تشوه، فهذا يرجع إلى أننا فقدنا الإيمان بحب الله المطلق. الحب المشروط، دليل على قلة الإيمان، بينما حب الله غير المشروط، من خلاله لا يوجد حدث يهزني، ولا يوجد ما ينزع مني السلام الداخلي، فسلامي راسخ في الله وحبه لي .

 

حبه لنا يغيرنا

الإنسان بمجرد أن يعرف أنه محبوب من الله، يشع جمالاً يعطي الإنسان طاعة وقدرة على التغيير، هذا ما يحدث لفتاة سمينة عندما تشعر أنها محبوبة من حبيبها، فإنها تتغير وقد تصبح عارضة أزياء. فإذا علي أن أؤمن، لا اشعر فقط، أي ان أتيقن واعرف باني محبوب من الله "أما نحن فإننا نحبه لأنه أحبنا قبل ان نحبه".

هنا تجدر الإشارة إلى أن حبي لله هو صدى حبه لي، بمعنى أن المبادرة ليست مني، بل منه. المطلوب منك الخروج من الذات و الانانية.

أن تبادل حب الله لك هو أن تفتح باب نفسك لحبه ومن ثم تنطلق فتجعل حبه يثمر في كل لحظة من حياتك.

خلاصة

ما دمت لم تكتشف حب الله في حياتك لن تستطيع أن تنعم بالسلام الداخلي.  فإن قلبك محتاج إلى صخرة يستند إليها ويتشبث بها في حين أن حب الإنسان، مهما كان قويًا وعميقًا، هو محدود ومهدد. لقد بحث القديس أوغسطينس عن حبٍّ في حياته وأخيرا كتب في اعترافاته "خلقتنا لك يا رب ، وقلبنا في قلق واضطراب ما دام لم يجدك"

 

أسئلة للتفكير والتأمل

١  ماذا يعني الإيمان بالنسبة لي؟

٢  كيف أتصرف في حالات ليس لي المقدرة على حلها، كموت أحد الأقارب، مرض شخصي؟

٣  هل هناك فرق بين الإيمان والاتكالية بالنسبة لك؟

٤  هل اؤمن بأن الله يحبني ومحبته تقودني لمحبة نفسي والقريب، تكلم- مع صديق- عن خبرتك؟

٥  هل أنا أشعر وأعيش محبة الله المجانية لي، أم إنني أشعر أنه يجب عليّ دفع شيء بالمقابل؟

٦  كيف أحبّ الله ؟ وأبادله الحب؟

٧  تحدّث- مع صديق- عن خبرة حب جعلتك تشعر بسلام داخلي؟

 

 

مفهوم السلام الداخلي (الفصل الأول)

مفهوم السلام الداخلي (الفصل الثاني)