English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 
 

الطوباوية ماري الفونسين ... الفضائل الرئيسية

 
 
   

 

الفضائل الرئيسية

 

تميزت الطوباوية ماري الفونسين بعيشها للفضائل الرئيسية بطريقة بطولية ، فكيف عاشت فضيلتي الحكمة والفطنة ؟

أ ) الحكمة والفطنة البطولية

"حوز الحكمة خير من الذهب وحوز الفطنة أفضل من الفضة" (أمثال 17،16)، "إكتسب الحكمة. إكتسب الفطنة. لا تنس ولا تَمِل عن أقوال فمي. لا تهملها فتحفظك. أحببها فترعاك". (أمثال4، 5-6). "ارفعها فتعليك. اذا عانقتها فانها تمجدّك" (أمثال 4، 8). أصل الحكمة مخافة الربّ وفروعها طول الأيام (بن سيراخ 1،25). "الحكمة خير من القوّة والحكيم أفضل من الجبّار" (حكمة 6،1).

بقدر ما كانت الأخت ماري ألفونسين متقدة الحماس في نشاطها الرسولي وشديدة الإكرام للبتول، كانت أيضا هادئة الطباع ومتزنة العقل بشهادة كلّ من عرفها. ففي كلّ المناسبات كانت تتجنّب الظهور ولا ترغب إلاّ في العمل الصامت إرضاء لوجه الله لا البشر وهذا دليل كبير على تواضعها. وكانت على جانب عظيم من التحفّظ. وبالرغم من أنها حظيت طوال سنين متوالية بايحاءات سماوية فريدة، إلاّ أنها لم تطلع عليها سوى ثلاثة أشخاص مشهود لهم بالحكمة والكفاية في الأمور الروحية وهم: البطريرك منصور براكّو ومرشداها الروحيان الأب أنطون بللّوني والأب يوسف طنوس. كما أن دورها الطليعي في تأسيس رهبانية الوردية بقي مجهولا طيلة حياتها، منذ أن بدأت الرؤى سنة 1874 وحتى وفاتها سنة 1927، حتى ان أختها الأم حنّة دانيل التي شغلت منصب الرئاسة العامة إحدى وعشرين سنة ونيّف، لم تقف على حقيقة الأمر إلاّ بعد وفاة الرائية، وبعد قراءتها لمذكراتها. وكان مرشدها الأب يوسف طنوس قد أمرها بتدوينها، بعد أن اطمأن الى رجاحة عقلها ورصانتها، واقتنع بصدقها وصحة الرؤى ومصدرها الإلهي، عندما جاءته رسولة من قبل العذراء لتطلعه على رسالة هامة فيها الجواب الشافي عن كلّ تساؤلاته بشأن الرهبانيّة المقترح تأسيسها وتدور حول اسمها وروحانيتها وقوانينها وأهدافها ومقرّها. فطلب منها أن تصوغ له مسودّة قانون للجمعية بناء على ما شاهدت وسمعت من العذراء ثم أمرها بتدوين رواية الظهورات مفصّلة ما نالته من نعم وما أوصت به العذراء بشأن الرهبانيّة الجديدة، ولا سيّما ما أدلت به خلال ظهورها في الثامن من تشرين الثاني عام 1879، فدونتها طائعة باسلوب متزن وموضوعي مما يجعلنا أن نقف بدهشة واعجاب أمام النعم الفائقة الطبيعة التي نالتها من الأم البتول. بقيت متحفظة عليها بصمت عجيب رغم ما صدرت من أحكام اعتباطية لا أساس لها من الصحة تنال من الأب يوسف طنوس أو الأم ماري ألفونسين أو حتى أصل الرهبانيّة، فمردّ ذلك الى جهل الأمور الفائقة الطبيعة التي عاصرت نشأة رهبانية الوردية. ولذا أصبح من الأهمية بمكان أن تخرج هذه الوثائق من خزائنها بعد وفاتها وتنتشر لتفهم فهماً صحيحاً. ثم إن جوهرها يهمّ كنيسة القدس أهميّة بالغة. ومنذ البداية لابدّ من الإشارة الى أن تحفظّ الراهبة المطلق رغم ما قوبلت به من احتقار وازدراء وتواضعها العميق هما من الناحية البشريّة خير شاهدين على صحّة الرؤى والرسالة السماويّة التي بلغت إياها، كما يضمن صحتها النجاح الباهر الذي حققته رهبانية الوردية خلال زمن قصير. فلولا هذه الأخت الفاضلة لما قدّر للجمعية أن تشاهد النور... وسنتتبع عن كثب نصّ الأخت ماري ألفونسين كما ورد في مخطوطي مذكراتها التي استهلتها بهذه العبارات: (مخطوط أول، ص 1).

“يا سلطانة الوردية المقدّسة. صلّي لأجلنا. باسم يسوع ومريم ويوسف، اني أنا الأمة الحقيرة الأورشليمية، أثبت بوضوح وايجاز نتفاً من انعامات سيّدة الوردية عملاً بأمر من لا يسعني مخالفته وهو مرشدي الروحي حضرة الأب يوسف طنوس الفاضل. وقد حدث ذلك في الثامن من تشرين الثاني سنة 1879”. (مخطوط أول ص 1).

        وتدلي في نهاية المخطوط الأول أي دفتر الظهور بالتصريح التالي:“ألزمني مرشد الرهبانيّة (أي الأب يوسف طنوس) أن أضع يدي على المصلوب، وأحلف مصّرحة بأني كتبت ما رأيت وسمعت. فحلفت متكلّة على المراحم الإلهية، وسيّدة الوردية، وكتبت ما كتبت...”. (مخطوط أول، ص 63،64).

        في عام 1875، بينما كانت الرؤى تتوالى على الأخت ماري ألفونسين، كانت نفسها مسرحاً لتغيرات عميقة. فعاشت زمناً غير عادي طافحاً بالنعم الروحيّة والتأملات الفريدة. وفي احدى هذه الظهورات أمرتها العذراء بان تقصد في بادىء الأمر البطريرك منصور وتبلّغه بأمر تأسيس الرهبنة ورغبة العذراء بذلك، فهو يدبّرها لأن ارساليات أبرشيته وغيرها ستزدهر بالوردية. وهكذا فعلت. فأصغى اليها البطريرك بعطف أبوي، وطلب منها أن تسترشد من كاهن ذي خبرة وموثوق به هو القانوني الأب أنطون بللوني، وأوصاها بالمواظبة على صلاة السبحة. وقبل انصرافها، أذن لها بأن ترجع إليه كلّما دعت الحاجة. مضت الى مرشدها الجديد وأصغت الى كلّ توصياته بروح بنويّة، فألفت نفسها مطمئنّة الضمير وفي مأمن من الاخطار الروحية. (مخطوط أول ص 17،20،21).

        وهنا تبدو فطنتها وحكمتها. لأنها في الظاهر لم تكن الأخت ماري ألفونسين تتميّز عن زميلاتها الراهبات في شيء سوى جاذبيّة روحيّة فريدة، جعلت الطالبات يقبلن اليها ويحببنها شديد المحبة. أما هي فكانت توجههنّ صوب التقوى والفضيلة. إلاّ أنها أثناء القيام بشؤونها اليومية، بقيت شديدة التحفظ مخافة أن ينكشف سرّها قبل الأوان أو يدري أحد بالنور الذي تشعر به في قرارة نفسها وينعكس في عينيها وكلّ كيانها. وانطوى عام 1875 تاركاً فيها أثراً لا يمحى. فنفسها طافحة بنعم كثيرة وتوّاقة الى الاتحاد المستمّر بالله وبالعذراء.

        أما في عام 1876 فكانت سنة امتحان وتجربة قاسية للأم الفونسين وذلك بسبب غياب مرشدها الأب بللوني الذي قام برحلة طويلة خارج البلاد، فاضطرت أن تلجأ الى كاهن رعية بيت لحم آنذاك للإعتراف وكشف الضمير بصفته المرشد الروحي في مدرسة راهبات القديس يوسف للبنات. فلم يكن الأب ماتيو ليزيسكي البولوني الأصل يفتقر الى الغيرة والتفاني، إلاّ أن آفاق تفكيره كانت لا تتجاوز شؤون رعيته، وقد اشتهر بالقسوة والشّدة. وقد عبّرت عن قساوته بقولها متنهدّة: “ما أقسى هذا الإرشاد، وما أشدّ توجع قلبي”. (مخطوط أول ص 37). وكانت قد طأطأت رأسها لكلّ أوامره ونواهيه بروح الطاعة والإيمان رغم الامتعاض الشديد الذي انتابها. وهكذا تعاملت مع هذه الشدّة والقسوة بحكمة وفطنة لأنها آمنت بان الصليب هو العلامة المميزة لمنجزات الله. وعلى وجه العموم يقاس ازدهار هذه المنجزات بمقياس المحن والشدائد التي يجتازها خدام الربّ ومنفذو ارادته. ولم تشذّ عن هذه القاعدة العامة لا الأم ماري ألفونسين، ولا الجمعية الرهبانيّة التي ستخرج عمّا قليل الى حيّز الوجود.

        فعندما عرضت على الأب ليزيسكي حالتها الروحيّة بكلّ تواضع وبساطة، أبدى رأيه بلهجة حازمة قائلاً: “تلك أحلام وخفة عقل”. (مخطوط أول ص 36). وفرض عليها أموراً تثير الدهشة، منعها النظر الى صورة العذراء أو الدنوّ من هياكلها بهدف الصلاة أو وضع الزينة، وطلب منها اذا عاودتها الرؤيا مرّة أخرى، ألاّ تفعل شيئا سوى أن ترسم اشارة الصليب بالماء المقدّس. وحظّر عليها رفع عينيها أثناء القداس أوالنظر الى النور المنبعث من فوق الهيكل. واذا حدث أن تطلّعت اليه، فلتقم باحصاء عدد المرات لتقرّ معترفة بها. وأغرب من ذلك أنه لم يأذن لها بالمناولة إلاّ مرتين في الاسبوع وربما لم يكن الكاهن يتعمّد الشّر. فقد كان كلّ ما أراده أن يختبرها على الطريقة المتبعة في ذلك العصر. وهنا تشابه أيضا بين الأم ماري ألفونسين وبين برناديت سوبيرو من حيث ما جرى للأخيرة مع كاهن رعيتها قبل ذلك التاريخ بسنوات فقط. ففي كلّتا الحالتين كانت النيّة متشابهة مع هذا الفارق وهو أن برناديت كانت لا تزال فتاة صغيرة تذهب للاستماع الى دروس الدين، وللكاهن عليها دالة وسلطة. أما الأخت ماري ألفونسين فقد كانت راهبة واعية، ناضجة وأفضل من في الرعيّة سيرة وفضيلة ومع ذلك كلّه لم يتسرّب اليأس الى قلبها. وكتبت تقول: “اذا كان الأب قاسياً، فالأم رؤوف عطوف. أجل، انها حنّت عليّ وأصبحت تتجلّى لي أكثر من ذي قبل وتعزيني وتدنو مني وتفعم قلبي لذة فيغدو كفردوس سماويّ”. (مخطوط أول، ص 36-37).

        وكان حنان العذراء كفيلاً بتعويضها من تلك القسوة، فوهبتها نعمة فريدة. كان الكاهن قد اذن لها بمناولتين في الأسبوع، فأطاعت واكتفت بالنظر الى القربانة عن بعد دون أن تجسر على الدنوّ من الهيكل إلا أن العذراء لم ترض بما فرض على أمتها الوفيّة. فبادرت الى تعويضها من ذلك الحرمان بالطريقة التي رأتها مناسبة. وهذا على الأقل ما نتحقّقه من خلال هذا النصّ الذي كتبته بلغة بسيطة: “ولما كنت أتناول تناولاً روحياً، كانت أمي البتول تدنو مني ملتحفة بأنوار ساطعة حاملة بيدها شيئاً من نور، مستدير الشكل، فيدخل فمي وقلبي فأشعر بأني أتناول القربان الأقدس حقيقة، وأحسّ حلاوة عسلية تنصبّ في فمي فأؤجّل تناول الطعام قدر ما يمكن مخافة أن أفقد تلك الحلاوة الغريبة”. (مخطوط أول، ص 38).

        وأخذت النعم تتعاقب عليها. فكثيراً ما نهضت في الليل ورأت نفسها محاطة بهالة من النور وسمعت أصواتاً رخيمة تنشد أمجاد مريم. فكانت تأخذ سبحتها وتصلّي الوردية كاملة. إلاّ أن الكاهن حظّر عليها ذلك فيما بعد، فأطاعت واستبدلت بالسبحة تأمل أسرارها ومعانيها والمشاهد الإنجيلية الرائعة التي ترمز لها الأسرار كما رأتها في الظهور الأول لأن النهي لم يشمل هذا الأمر. واستمرّ هذا النظام عاماً كاملاّ ويوماً واحداً، ابتداء من ايلول 1876 حتى الشهر ذاته من السنة التالية. وبعد هذا التاريخ، يبدو أنه رضي عن طاعة الراهبة فرفع عنها الحظر واذن لها بالمناولة اليومية والدنوّ من هياكل العذراء وممارسة الاماتة الجسدية، معيداً اليها كامل حريتها الروحية. وانتهى أخيراً زمن الإختبار وبدأ فصل جديد من حياتها. فرغم أنها كانت لا تزال راهبة في جمعية القديس يوسف، إلاّ أن العذراء ستجعلها تحيا بالرؤى والظهورات، حياة راهبة الوردية. (مخطوط أول، ص 40).

 - إن المؤسّس وهو على فراش الموت وقبل وفاته بساعة واحدة قد طلب من الحضور اخلاء الغرفة لينفرد بالأم ألفونسين التي وصلت توّاً من الزبابدة لتودع اباها الروحي الوداع الأخير. وذلك لأنه كان بحاجة الى تلك المقابلة ليأتمنها على رغبته الأخيرة، لأنها كانت قادرة على فهمه أفضل من أية راهبة اخرى، فمنذ وفاة البطريرك براكّو لم يبق أحد سواهما على علم بأسرار العذراء وايحاءاتها. ومنذ اليوم، ستنفرد الراهبة بحفظ تلك الأمانة المقدّسة.

        ورغم ظهورها بين الناس بمظهر راهبة عادية لا تتميّز من أخواتها بشيء، إلاّ أن المؤسّس كان موقناً أنها ستحمل على عاتقها، منذئذ وصاعداً، مستقبل تلك المؤسّسة التي أرادتها العذراء. وستكون أيضاً أمام الله الكفيلة الوحيدة بتنفيذ التعهدات التي التزم بها كلاهما لسلطانة الوردية. ومكثا في حوار روحي ساعة كاملة. انه حقاً حوار قديسين تلاقى قلباهما في الله. وكان منظر وداعهما تتفطّر له الأفئدة ويشبه وداع أغسطين لأمه مونيكا على شاطىء “أوستيا” شبهاً عظيماً. وبعد أن راجعا معاً كلّ الأمور وأفضى اليها بما كان يختمر في ذهنه قال: “إقبلي الآن بركتي”. فخرّت جاثية على الأرض. وبقي له كلمة أخيرة يقولها على انفراد. كان يعلم عظم ما عانت الراهبة في الماضي وما ستتألم في المستقبل، وأن حياتها بعد رحيله ستكون أشدّ عسراً لأنها ستحرم ذلك السند القوي الذي كانت تلقاه ساعة الضيق والشدّة. فنظر اليها نظرة إشفاق وقال: “واحسرتي عليك ان كنت ستعيشين طويلاً بعد موتي، لأنك ستلاقين عذاباً شديداً من أخواتك”. فأجابت بكلّ عزم وسخاء وعفويّة: "لا أبالي بالعذاب. فأنا ذبيحة الوردية. وكلّ ما أريده سعادتك في الديار السماويّة. وأن راحتك راحتي”. ومسحت دَمعة سالت على خدّها ثم أردفت: “ان أمنا الحبيبة التي خدمتها في حياتك، ستأتي وتساعدك في هذه الساعة". فقال: "أهلاً بالموت ومرحباً! انه ليس صعباً. لكن مريم قد أبطأت. فمتى ستأتي يا ترى؟" ويبدو انه نسي ما انبأ به عن موته. وبارك ابنته وشخص الى صورة العذراء وتنهدّ ثم قال: "ستبقى أختك ريجينا واحدة منكنّ. فقد سبق ان وعدتها بذلك". وقد مرّ بنا أن ريجينا دانيل تركت الرهبانيّة لأسباب صحيّة اذ لم تعد قادرة على مواصلة الحياة في الدير. وكان المحتضر قد أعياه الداء وأنهك قواه، وتهدّج صوته وترقرقت في عينيه دمعتان كبيرتان كحبتي لؤلؤ. (مخطوط ثاني، ص 12).

        وفيما مضى كانت الأم حنة تلاحظ دائماً الإتفاق الكامل في الآراء والأفكار بين الأم ماري ألفونسين وبين المؤسّس الراحل. ولمست في ذلك تدبيراً الهياً مسبقاً. فأخذ منها العجب كلّ مأخذ ولكن لم تتوصّل الى اكتناه السبب الحقيقي. وقدّرت أن وجود أختها بقربها سيكون امتداداً لوجود الأب يوسف نفسه، وأنه سيجنبها أخطاء كثيرة. وللّه درّ هذه الفكرة ما كان أصوبها!. لقد كانت الأم ماري ألفونسين، رغم ميلها الطبيعي الى الإختلاء والصمت عوناً قيماً في أحلك الظروف وأشدّها عسراً طيلة السنوات الثماني التي قضتها في القدس.

        ولم يكشف سرّ الأم ماري ألفونسين إلاّ بعد وفاتها وتقديم دفتري مذكراتها الى غبطة البطريرك برلسينا. وفق ما أوصت به أختها الأم حنة اذ انها قبل وفاتها بأيام معدودات، اغتنمت الأم ماري ألفونسين فرصة انفرادها بالأم حنة فأسرّت اليها قائلة: “بعد موتي، اذهبي الى مكان كذا فتجدي دفترين مكتوبين بخط يدي، خذيهما وسلميهما الى البطريرك برلسينا”، الذي أعاد بدوره المخطوطين الأصليين الى الرئيسة العامة، لجهله باللغة العربية، وطلب الى الأم أغسطين ترجمتهما الى اللغة الفرنسية. (ز.م. ص 196).

        وما كادت الراهبات ولا سيّما الأم حنة يطّلعن على محتوياتهما حتى حصلت المفاجأة. لقد حان أخيراً للحقيقة أن تسطع كالشمس وتبدّد الضباب الكثيف الذي كان يحجب شخصيّة الأم ماري ألفونسين، فقدّر الجميع آنذاك فداحة الخطب الذي نزل بالجمعيّة لوفاة تلك الراهبة الوضيعة التي بقيت محتجبة عن العيون طيلة تلك المدّة. وظنت الأم حنّة، أثناء قراءاتها المتكرّرة لمذكرات أختها، أنها في حلم غريب وتبينت لها أمور عديدة كانت في غفلة عنها. فهي اذا مدينة لها بالدعوة الرهبانيّة وبنعم أخرى لا تحصى ولا تعدّ، كانت ثمرة صلوات الفقيرة الراحلة وتضحياتها. وآنذاك فقط أدركت الراهبات لماذا كان المؤسّس الفاضل يجّل الأم ماري ألفونسين ويصغي باحترام الى آرائها السديدة فيما يختص بالرهبانيّة، ووقفن على أسباب الإنسجام الكامل بين أفكارهما وشعورهما وروحهما.

        أما تمثال سيّدة الوردية المتوّج باكليل من نجوم الذي وضعه المؤسّس في حفاوة بالغة فوق الدرج المؤدي الى دار الابتداء، فلم يبق امره سرّاً على أحد. اذ وجد في المخطوط الأول المختوم بالشمع الأحمر رسم يمثل العذراء كما ظهرت للرائية. ورغم ان الراهبة لم تكن تجيد فن الرسم إلاّ أنها أذعنت لمرشدها الذي طلب اليها رسم تلك الصورة. ثم عرضها على أحد المثّالين ليصنع لها تمثالاً مشابهاً. وكان يحيطه باحترام خاص. وكلّما سألته الراهبات عن أصل التمثال كان يلجأ الى الصمت أو يتحوّل عن الموضوع فيأخذ في حثّ الراهبات على المزيد من اجلال سلطانة الوردية.

        وأهمّ مما سبق أن تلك الصفحات بيّنت لهنّ عمق جذور الرهبانيّة وتاريخها العريق. فمؤسّسها الحقيقي ليس الأب يوسف طنوس ولا الأم ماري ألفونسين انما العذراء نفسها. ولم يكونا سوى أداتين طيّعتين في يد والدة الإله القديسة. واذا ما قورن بينهما، اتضح أن الأم ماري ألفونسين، رغم صمتها واحتجابها عن الانظار، أعظمهما شأناً وأرفعهما منزلة لأنها هي التي تسلّمت من العذراء تراث المؤسّسة الروحي ونعني به اسمها وأهدافها القصوى وقوانينها وروحانيتها مما جعلها تتبوأ مكانة مرموقة بين جميع الرهبانيات.

        وتذكّرت الأم حنّة آنذاك الكلمات التي زلّ بها لسان أختها يوماً حين قالت لها: “آه لو كنت ترين ما أرى!” ولم يتسنّ لها فهمها في حينها، كما فطنت الى قولها لها في مناسبة أخرى: “ما أشدّ ما سيكون فرح والدة الإله المحبوبة لو أقدمنا على تلاوة الوردية الدائمة في الدير!”. وها هي الآن تلوم نفسها لأنها من فورها لم تستوضح معناها ولأنها حسبتها في بادىء الأمر أضغاث أحلام وأماني مستحيلة تعكس تقوى الراهبة، بينما كانت في الواقع تعبيراً عن رغبة العذراء نفسها. فاستولت عليها الحيرة وتساءلت: "كيف تمكنت أختي من كتمان سرّها حتى النهاية رغم جهلنا لتلك المثل العليا وتوانينا في اتّباعها؟”.

        ولم يكن ارتباك سائر المسؤولات أقلّ من ارتباكها. لقد أدركن عظم المسؤولية الملقاة عليهنّ لفهم ذلك التراث الذي خلّفته لهنّ الراهبة الراحلة. ولكن ما الحيلة الآن لفهمه فهماً تاماً ولتطبيقه تطبيقاً سليماً؟ ووجدن الجواب الذي يقنع العقل ويريح الضمير. ذلك أن الفقيدة أوصت بتسليم المخطوطين الى غبطة البطريرك فلا بدّ أيضاً من تسليمه زمام الأمور. فله ستعطى النعمة الحالية لتقرير ما سيترتّب على ذلك الاكتشاف الجديد من نتائج ملموسة. وبذا ألقين المهمّة على كاهله ووضعن مصير الجمعيّة بين يديه.

        ولايحقّ لنا أن ننسى تصرّفها الحكيم عندما وعدت العذراء بأن تلبي طلبها في الخروج من رهبانية القديس يوسف لتؤسّس رهبانية الوردية. فكانت في موقف حرج لأنه من ناحية كانت أوامر العذراء جازمة لاتحتمل الجدل، ولا بدّ من تنفيذها على عجل. ومن ناحية أخرى كان يبدو صعباً على الراهبة أن تقلب ظهر المجنّ لرهبانية القديس يوسف وهي ملتزمة تجاهها بالنذور الثلاثة، وقد أولع بها قلبها حتى الهيام، وخدمتها خدمات جلّى، بتفان مذهل ونجاح يشهد له القاصي والداني. ففي هذا المأزق الحرج لم يكن في وسعها سوى اللجوء الى مرشدها الأب يوسف طنوس والعمل بمشورته. فلجأت الى النائب البطريركي العام المنسنيور باسكال أبوديا، عملاً بمشورة الأب يوسف طنوس، وعرضت عليه قضيتها بالتفصيل، لأن البطريرك براكّو كان في روما آنذاك. فأشار عليها الأخير بكتابة رسالة الى الرئيسة العامة في الرهبنة، ورسالة الى البطريرك في روما تبلّغه موقفها وكذلك رسالة الى السلطات الكنسية في روما تطلب الحلّ من نذورها في رهبانية القديس يوسف. وعندما عاد البطريرك من روما أحضر لها الحلّ وأمرها في البقاء في بيتها الوالدي ثلاث سنوات الى ان يجيء الزائر الكنسي ليحكم في القضية... فتحمّلت ما تحمّلت كلّ ما دار من حولها من وشايات وأحكام واشاعات مدسوسة ومتناقضة... أما رؤساؤها فلم يكونوا على علم بأمر الإيحاءات الروحية والرسالة التي وكلّتها العذراء اليها. فكيف لهم اذاً أن يسهّلوا لها الطريق؟ فكلّ خطوة في الاتجاه الجديد ستحسب والحالة هذه فراراً من الخدمة وخيانة لا تغتفر، إلاّ أن أمانتها للعذراء كانت أقوى وأمتن من كلّ العقبات، ولن يفصلها عن محبتها لا الموت ولا اتهامها بالخيانة والجحود. وقد قيل بحق: "الحبّ أقوى من الموت". فاتخذت القرار التالي: "عزمت حباً لمريم واكراماً لها أن أطيع صوتها وأضحي بذاتي في رهبانية الوردية، واثقة بمعونة أمي ومعتقدة انها تصحبني دائماً وتعضدني". (مخطوط أول، ص 47).

        نستطيع القول بأنها تميّزت بفطنة بطوليّة متّبعة طريق الصدق والإستقامة وسداد الرأي بتفضيل الأعمال الإنسانية. بحيث أصبحت قدوة للتوازن الإنساني والروحي والتربوي... وهذا أوّل ما يتجلّى في رسالتها التربوية خاصة كفاءتها للقيام بمهمّة التعليم الديني في جميع المدارس والمياتم التي عهد اليها في تأسيسها سواء كان في رهبانية القديس يوسف اولاً أو في رهبانية الوردية ثانياً. فكانت فعلاً موهوبة بطلاقة اللسان حين تتحدّث للنفوس عن الله تعالى، وكان لابدّ لكلّ من ينظر اليها وهي تصلّي أو يستمع اليها وهي تتحدّث عن العذراء، من أن يقع تحت تأثيرها فلا يملّ الإصغاء اليها. فكانت ترتاح اليها الطالبات في كلّ المدارس والمياتم التي عملت فيها ويثقن بها. كما أنها أفلحت بمساعدة العذراء مريم في انشاء أخوية لبنات مريم في مدرسة راهبات مار يوسف في القدس، وسميت فيما بعد “أخوية الحبل بلا دنس”، وأخرى للامهات المسيحيّات. وكذلك في بيت لحم وهذا ما كانت تقوم به في جميع الإرساليات في فلسطين والأردن ومازالت راهبات الوردية حتى اليوم يقمن في النشاطات الروحية نفسها حيثما حللن وعملن.

        نظراً لما كانت تتمتع به من حماس متقد وغيرة رسولية وايمانا منها بان التربية الصحيحة تبدأ وتنتهي في البيت وبأن الأم هي المربيّة الأولى والأخيرة، فقد أنشأت في يافـا الناصرة مثلاً فرقة خاصة سمتها “أخوية الوردية”.وبالغيرة والحماس نفسيهما بادرت الى تأسيس فرقة مماثلة للبنات.فسرّ الكاهن لما لمس من التقدم الملموس الذي أخذ يطرأ على رعيته بفضل الراهبات وتغلغلت روح الصلاة بين النساء رويداً رويداً بعد الجهد والعناء، اذ كانت النساء لا يبالين بأمور الديانة بل كنّ ينفرن من الصلاة ويستثقلن من رسم إشارة الصليب بحجة أن ذلك “يوجع أيديهنّ”. وبهذه اللهجة الساخرة وبمثل تلك الحجج الواهية كنّ يعتذرن للراهبتين كلّما دعين الى الصلاة. أما أجراس الأحد فكانت تقرع سدىً. وكان لابدّ للراهبتين من التجوّل بين البيوت لدعوة الناس الى قداس الأحد، مع أن الكنيسة كانت على بعد خطوات فقط. كما علّمن الفتيات والنساء صلاة السبحة والتعبد للعذراء مريم. وكان الشعب يكنّ للراهبتين مشاعر الاحترام والإجلال، ولكثرة ما رآهما تتلوان السبحة كان بعضهم يلقبهما وهما غاديتان رائحتان على الطرقات براهبتي “السلام عليك يامريم” (مخطوط أول، ص 63). (مخطوط ثاني، ص 2).وأخيراً كتب النصر للمثابرة والغيرة، وسار التبشير بالكلمة والمثل جنباً الى جنب. وقد ترك هذا في قلوب المسيحين أجمعين أثراً طيبا ًلا تمحوه السنون. لما كان له من أثر فعّال في إحداث انقلاب روحي عميق في مواقف الناس من الدين والصلاة... (مخطوط ثاني، ص 2).

        فكانت أساليبها التي استخدمتها في دروس الدين مع المؤمنين حيثما حلّت لمعالجة جهلهم الديني، وقيادتهم بحرص وذكاء كبيرين في ممارسة الأسرار المقدّسة بنقاوة ضمير واستقامة ونشاط وحيوية، ذات أثر فعّال خاصة في ارسالية السلط في شرق الأردن حيث كانت حاجة الكهنة إلى مؤزارة الراهبات أشدّ الحاحاً من أية منطقة أخرى لأن السكان المسيحيين المبعثرين هنا وهناك كانوا متروكين ومهملين منذ أمد بعيد وقد تأثروا بطباع القوم الذين كانوا يعيشون معهم. وكان الجهل الديني فاشياً بين الرجال والنساء على السواء. فلم تبال الراهبات عند وصولهن أن يكون مسكنهنّ قبواً تحت الكنيسة، بحيث تقول: “لم يكن دير الراهبات والمدرسة سوى السرداب الطويل الكائن تحت الكنيسة منذ سبعة عشر عاماً”، (مخطوط ثاني، ص 8).بقدر ما كان همّهنّ خدمة هذه النفوس المتعطشة لمعرفة الربّ معرفة صحيحة. فكانت الراحة ونعومة العيش آخر ما تطمح اليه خادمات المسيح أولئك. فكلّ ما كنّ يرمين اليه اعلاء شأن المرأة المسيحيّة وتحسين أوضاعها باطلاعها على كنوز الإنجيل وتعاليمه النبيلة. وقد أحسنت أولئك النساء استقبال الراهبات "ملائكة السماء"...

        وتفاجأت الراهبات عندما اطلعن على عدد من العادات الوثنية تظهر المستوى الذي يمكن أن ينحدر اليه شعب يجهل أمور دينه. وفي أعقاب خبرة مماثلة صرّح خوري آرس، القديس يوحنا فياني: "أتركوا بلداً بدون تربية دينية عقدين من الزمن يعبد الأوثان”. وفي شرق الأردن لم يحرم المسيحيون تلك التربية عشرين سنة وحسب بل قروناً طوالاً. وفي ظلّ هذا المجتمع القريب من الوثنية، كانت النساء يعانين بعض الظلم والإجحاف لأن واجباتهنّ كانت ثقيلة وحقوقهنّ مهضومة. وعندما كانت القسوة تصل حداً لايطاق كانت بعض أولئك البائسات يسعين للخلاص مما هنّ فيه بالانتحار. وكانت الراهبات في بادىء الأمر يرفضن تصديق مثل تلك الروايات التي تقشعرّ لهولها الأبدان، ولكن استيقنّ صحتها فيما بعد.

        وقد سيطرت على الشعب المسكين خرافات واعتقادات باطلة. فاذا مرض أحدهم في تلك المناطق الخالية من الاطباء، لجأ أهله وذووه الى العرّافين والمشعوذين يسألونهم الدواء مقابل بعض المال، ولم يكن الدواء سوى القليل من التراب يذاب في الماء فيتجرّعه المريض، أو بعض حبّات بخور تحرق في البيت لطرد الارواح الشريرة أو ودعات يعلّقها الإنسان لتقيه الإصابة بالعين، فلا غرابة اذا تفشّى السحر في مثل تلك البيئة. وقد كثر اللجوء الى السحرة المتكّسبين الذين “يفتحون في المندل” للعثور على الاغراض المفقودة ويصنعون حجباً لابعاد المصيبة عن شخص او لايقاع آخر فيها. ومن غير المستبعد أن بعض هؤلاء السحرة كانوا يعوذون بقوّة الشيطان. وقد أقرّت بعض المنضمّات الى أخوية الأمهات المسيحيات بأنهنّ انجرفن مدّة طويلة في تيار تلك الترهات والاعتقادات الباطلة. وكانت ثمة عادات اخرى وجب استئصالها. وأهمّها ما يتصل عن كثب بمراسيم الزواج الذي لم يكن اتفاقاً متبادلا بين الشاب والفتاة بل مساومة طويلة بين ذويها يتمّ خلالها تحديد المهر الذي يجب تأديته لوالد الفتاة دون أن يكون لها أي مجال لابداء الرأي. ويتم الدفع بالمواد العينية فيتخلّى الأب عن ابنته بناقة أو مهرة أو ثور...

        لدى افتتاح المدرسة بلغ مجموع طالباتها مئة وستاً وأربعين. وبشأن تربيتهنّ المسيحيّة كان لابدّ أن تبدأ من الصفر. وبادرت الطالبات الى الدخول في أخوية بنات مريم التي تأسّست خصيصاً لهنّ. وتأسّست أيضاً فرقة أخرى للأمهات المسيحيات انضمت اليها للحال ست وثمانون سيدة. أما الجهل والتخلّف فقد كنّ فيهما كبناتهنّ سواء بسواء. فلم يكن لهنّ أي المام بأمور الديانة. وتيقنت الراهبات أبعاد هذا الجهل وخطره في يوم عيد الفصح. فقد برزت آنذاك حقائق مرّة وجب معالجتها بسرعة. فتحت تأثير بعض العادات والتقاليد الموروثة من البيئة، كانت ممارسة الشعائر الدينية في تلك الاوساط المسيحية مقصورة على الرجال، وكانت المرأة المتحفظة لا تذهب للصلاة إلاّ نادراً. وحتى بعد وصول كهنة البطريركية اللاتينية ودخول الرجال والنساء في حضن الكنيسة الكاثوليكية لم تتغيّر تلك العقلية إلاّ ببطء، فكان يستحيل على الكاهن الاقتراب من عالم المرأة بقصد تأمين التعليم الديني لها. وكان هذا أهم سبب تذرّع به الكهنة لاستقدام الراهبات.

        أضف الى ذلك أن الغالبيّة العظمى من هؤلاء السكان، رجالا ونساء، لم يكونوا يقطنون المدينة بل يعيشون متفرقين في السهول الصحراويّة، فلا يتمكّن الكاهن من زيارتهم أكثر من مرتين أو ثلاث في السنة لا يقابل خلالها إلاّ الرجال. وكان يقتصر حضور النساء الى الكنيسة على يوم عيد الفصح. وفي صباح ذلك العيد كنّ يتوافدن زرافات لحضور القداس. لكن لم يكنّ يدخلن بيت الله بل يقفن في الساحة الخارجيّة انتظاراً للمناولة. وكنّ يدخلن جميعاً ويتقدّمن من المائدة المقدّسة دون أي استعداد سابق. وكان بعضهنّ يتناولن أكثر من مرّة إلاّ أن واحدة منهنّ لم تجروء على البقاء في الكنيسة اثناء الذبيحة. وزادت دهشة الراهبات عندما كنّ يطرحن عليهنّ الاسئلة التالية:

- “متى أعترفتنّ بخطاياكنّ؟” فيجبن: “لا ندري ما الاعتراف. وكلّ ما نعلمه أننا نأتي ونتناول مرّة في السنة”.

- “لكن هل صمتنّ على الأقلّ منذ منتصف الليل؟”

- “لا نعرف صيام الليل. انما أكلنا طعاماً صيامياً:خبزاً وسمّاقا. ولم نفعل كغيرنا من اللواتي أكلن لبناً وجبناً ثم تقدّمن للمناولة”.

   وحاولت الراهبات إفهامهنّ ضرورة الاقرار بالخطايا للكاهن لنيل الصفح من الله. فاعتراهنّ الارتباك. وكان جوابهنّ:

- “عرّفننا أنتنّ! فنحن مستعدات للاقرار بخطايانا للراهبة. أما للكاهن فلا”.

    فاقتربت إمرأة من الأم ألفونسين وقالت لها:

- “لك أعترف بكلّ شيء فعلته: سرقت لكي أطعم الأولاد. أسأت الى الناس بلساني. أبغض سلفتي ولا أصفح عن عدوي...”، واصلت الاعتراف بصوت جهوري. وذهبت كلّ محاولات إسكاتها سدى. وذات مرّة اذ شرعت الراهبات بعد القداس بتلاوة فرض العذراء، قالت بعض النسوة لبعض: "قد بدأ قداس الراهبات. ونفهم ما به لأنه باللغة العربية".(مخطوط ثاني، ص 8، 9). وذلك لأن القداس آنذاك كان يقام بجميع انحاء العالم باللغة اللاتينية وبقيت الحال كذلك الى ما بعد المجمع المسكوني الثاني المنعقد في روما في 4 كانون أول 1963 - 7 كانون أول 1965. فكانت خبرة عيد الفصح الأول في السلط بليغة للغاية وقدّرت الراهبات عظم العمل الذي ينتظرهنّ. فكان لابدّ من تضافر المساعي لاصلاح الحال. ومن حسن الحظ أن تلك النفوس كانت صافية النيّة ظمأى الى معرفة الحقيقة. فكان أوّل عمل قامت به الراهبات دعوة من استطعن دعوتهنّ من النساء الى شرب القهوة بعد قداس الأحد، على أن يتبع ذلك حديث ديني يتعلّمن خلاله كيفيّة التقدّم الى الأسرار وأهمية اكرام العذراء وكيفية صلاة السبحة الوردية. ولم تكن تظهر أية مقاومة لكلام لله. فكلامه أمضى من سيف ذو حدّين. (مخطوط ثاني، ص 9). وعندما أقبل شهر أيار شرحت الأم ماري ألفونسين للفتيات فوائد صلاة السبحة لايمانها بأن العذراء أمنا هي التي تقود ولاشكّ الجميع الى ابنها يسوع. وأشارت عليهنّ بتخصيص جزء من أوقات الراحة والفراغ بتلاوتها بدلاً من انفاق الوقت كلّه في اللهو والعبث. وأصغت الفتيات بدقّة لتلك النصيحة وحملنها على محمل الجدّ. وأثناء التنزّه بين الحقول والكروم كنّ يقمن بتلاوة السبحة بصوت عال يشقّ عنان السماء ظناً أنّ العذراء تكون أسرع إستجابة لمثل هذا الصوت. (مخطوط ثاني، ص 9).

        ومضين ذات يوم ليقضين وقتاً في الكروم وصلاة السبحة كالمعتاد. واذا بهنّ يشاهدن منظراً حبس أنفاسهنّ: رأين امرأة معلقة فوق شجرة تحاول الإنتحار. فتسلّقن الشجرة بسرعة وقطعن الحبل وأنقذن المرأة وكان لايزال فيها رمق من الحياة. ثم انقسمن الى قسمين، فذهب بعضهنّ لاستدعاء كاهن الرعيّة وأخريات بقين بقربها لانعاشها. وافى الكاهن مكان الحادث يصحبه بعض الرجال فنقلوا المرأة الى دير الراهبات حيث تمّ اسعافها وعادت اليها عافيتها. وكانت صغيرة السنّ. وتبيّن أنها كاثوليكية من أفراد الرعيّة. وأقرّت أنها تشاجرت مع حماتها، وفقدت القدرة على الاحتمال فآثرت بهذه الوسلية الهرب من العيش المرير. وكانت ثمة وسيلة أخرى للتخلّص من الحياة هي الموت غرقاً في بئر يلقي الانسان فيها بنفسه، وما هي إلاّ لحظات حتى يصبح أثراً بعد عين. وكتبت الأم ماري ألفونسين وقد تنفّست الصعداء: "آه كم عانينا من التعب قبل أن نقدر على استئصال ذلك من نساء رعيتنا". (مخطوط ثاني، ص 10).

        أما اليوم فقد نما الوعي الديني وأخذت تلك العادات في الاضمحلال بفضل جهد كهنة البطريركية المرسلين وراهبات الوردية معاً مدة قرن كامل ونيف. وقد أصبح للبطريركية اللاتينية اليوم أكثر من عشرين إرسالية في شرق الأردن تعمل فيها جميعها تقريباً راهبات الوردية، فبينما لم يكن عام 1873 سوى ارسالية واحدة. مع العلم أن تأسيسها قد تمّ عام 1866 وبنيت الكنيسة سنة 1877 انما تمّ دخول راهبات الوردية الى السلط في 24 شباط عام1887. وراهباتنا يعملن اليوم في 15 بيتاً في إرساليات البطريركية اللاتينية، كما وقد أصبح في الرهبانية الوردية 8 بيوت بين مدارس وخدمات اجتماعية. وبقيت الأم الفونسين في السلط حتى سنة 1889 حيث نقلت بعدها الى نابلس.

        وكانت شرق الأردن في نظر الأم ماري ألفونسين أرض الميعاد لرسالتها. ذلك لأنها في أحد أحلامها الغريبة التي كانت كنبوءات، شاهدت نفسها برفقة العذراء ممسكة بيدها تقتادها الى الفضاء وتحلقان معاً فوق نهر الأردن، ثم تنزلان بين مضارب البدو في الضفة الشرقية. ووفقاً لتلك الرؤيا، لبثت هناك تعمل سنوات عديدة، والعذراء لا تفارقها وأحرزت نتائج روحية رائعة، لاسيما بين النساء والفتيات اللواتي انخرطن في صفوف الوردية. (مخطوط أول، ص 53). وتذكرت وعد البطريرك لها، أثناء اعتكافها في بيتها الوالدي، بأنه سيرسلها الى السلط. وكانت تتلظى شوقاً الى لحظة تطوّعها السعيدة. وها قد تحققت نبوءة العذراء وتمّ فرحها الذي كانت بغاية الشوق لتحقيقه. ولم تمرّ سنتان على وصولها الى السلط، حتى كانت المدرسة راسخة الأساس قويّة الأركان، وتقرّر آنذاك نقلها الى نابلس. وكان الأب يوسف طنوس يأمل أملاً لا يراوده شكّ في أنها ستجلب معها بركات السماء لتلك الارسالية وبخاصة لمدرستها المتداعية. كما تمّ قبل ذلك في يافا الناصرة وبيت ساحور والسلط. ولا يغيب عن بالنا أن روابط قويّة كانت تصل ما بين نابلس والسلط. وكانت الراهبات هنا على اطلاع مستمرّ على ما يحدث هناك. لذا لم تجد الرئيسة نفسها غريبة في مركزها الجديد. ثم انها وصلت اليه غنيّة بخبرات كثيرة نجمت عن اتصالها السابق بالمجتمع الاسلامي. وهذا الرصيد من الخبرة والمعرفة سينفعها في هذه الارسالية الجديدة التي مضى على تأسيسها خمس سنوات وعدد طالباتها في عام 1889 نحو 45 طالبة منهن 19 لاتين والباقيات روم ومسلمات ويهود (السامريات). (المخطوط الثاني، ص 11). ولم تدخر وسعاً في سبيل رفع المستوى التعليمي والديني للفتيات. وواصلت الاهتمام بأخويّة بنات مريم التي يعود الفضل في تأسيسها الى الأم مريم الشويري والأخت ريجينا كارمي.

        وفي عام 1890 زار البطريرك لويس بيافي الارسالية فاستقبلته الراهبات والفتيات استقبالاً حاراً وتفقّد سير المدرسة وطرح بعض الاسئلة على الطالبات، فارتاح لجهد المسؤولات عنها. وقد سرّ كثيراً بما سمعه عن أخوية بنات مريم. وأهدى كلّ واحدة منهنّ أيقونة فضيّة تمثّل العذراء، فحملتها الفتيات بكلّ فخر وقد تهللّت قسمات وجوههنّ فرحاً. وهكذا نرى أنه بفضل حكمتها وحسن ادارتها وفطنتها قد اكتسبت ثقة ومحبّة وتقدير واحترام كلّ من عملت معهم سواء طالبات أو نساء أو كهنة وخاصة نالت ثقة رؤسائها وأخواتها والمؤسّس الأب يوسف طنوس وفوق هذه الشعبية الكبيرة والأهم انها نالت ثقّة الله والعذراء مريم ومحبتهما... ونختم بما يقوله لنا سفر الحكمة أمثولة لجميع الأجيال: "وفي كلّ جيل تحلّ الحكمة في النفوس القديسة فتنشىء أحباء لله وأنبياء، لأن الله لا يحبّ أحداً إلاّ من يساكن الحكمة" (حكمة 7،27-28).

 

 

 

حياة الطوباوية ماري الفونسين

فضائل الطوباوية ماري الفونسين

تطويب الام ماري الفونسين