English

سجل الزوار

 اضفنا للمفضلة

اتصلوا بنا

الرئيسية

 

“في محبّة يسوع ومريم توجد السعادة والسلام والفرح الحقيقي ولاسيما الصبر والشجاعة والثبات”.

 
 

كيف عاشت الطوباوية ماري الفونسين فضيلة المحبة لله أولاً وللقريب ثانيا ؟

1 - محبتها لله

ان النفس المحبّة لله تصير هيكلاً للثالوث الأقدس، “من تلقى وصاياي وحفظها أحبّني. ومن أحبّني أحبّه أبي وأنا أحبّه وأظهر له

 نفسي”. فقال له يهوذا (غير الاسخريوطي): “ربنا، كيف تظهر نفسك لنا ولا تظهرها للعالم؟" أجابه يسوع "إذا أحبني أحد، حفظ

 كلامي فأحبه أبي ونجيء إليه فنجعل لنا عنده مقاماً" (يو 14، 21-23). محبة الله هي إتمام مشيئته.

 

هكذا أحبّ المسيح الآب، وعلى مثاله أحبّت الأم ألفونسين الله وفضلته على الجميع وفوق كلّ شيء، وعلى مثال جاندارك: الله هو المخدوم الأول. إن محبة يسوع ومريم العذراء والدته بلغت حداً فائق الطبيعة، فبدت حياتها كلّها منغمسة بحضور الله الدائم في صلاتها، في عملها، في صمتها في صبرها، في تواضعها، في احتمالها، في فقرها، وفي طاعتها والاستسلام البنوي لارادته القدوسة. لقد وجدت في هذه المحبة سعادتها الحقّة، الرجاء، القوة والثبات في محبّته طيلة حياتها التي عاشتها بقداسة تامة، مغذيّة لهيب حبّها بالاتحاد التام بالله، وبتناول القربان المقدّس، وبالمشاركة التقوية بالأسرار الإلهية، بالصلاة وبالتأمل. أيقنت أن درب القداسة هو درب الصليب.

 

لقد أدّت قراءة المخطوطين الى إكتشاف آخر، ألقى على نفس الأم ماري ألفونسين أضواء جديدة:صحيح أن معظم الراهبات وعلى رأسهن الأم حنّة، كنّ دوماً معجبات بفضائلها ولا سيمّا تقواها العجيبة، وممارستها البطولية للتواضع، ومحبتها للقريب رغم اساءاته المتكرّرة اليها. وهنا أخذ يمرّ في ذهن الأم حنّة شريط طويل من الذكريات تعود الى الثماني عشرة سنة التي قضتاها معاً في القدس وعين كارم. وكانت دوماً معجبة بتأهب أختها الدائم لتأدية مختلف الخدمات وصبرها على السهام الجارحة التي اعتادت ان ترشقها بها بعض الأخوات، ونخصّ بالذكر قسوة الأم روزالي المتواصلة أثناء مدّة الإبتداء وخاصة سنة إصابتها بالحمى الصفراء، وأنها طيلة كلّ تلك المدّة لم تشاهدها قطّ تتأفّف أو تفقد الصبر، أو تحاول على الاقل الدفاع عن نفسها في وجه تلك التي أذاقتها صنوف الذّل والهوان. والغريب أن الحقد لم يكن يعرف الى نفسها سبيلاً بل - كانت سرعان ما تصفح عن الاساءة وتقابلها بالحسنى وكأن شيئا لم يحدث. كما كانت السبّاقة الى تحيّة الراهبات دون أن تنتظر مبادرة من احداهنّ، رغم أنها كانت أكبرهن سناً وهي بذلك تذكرنا بآية بولس الرسول: “المحبة تعذر كلّ شيء وتصدّق كلّ شيء وترجو كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء”. (اكور13،17)، ولكن بعد الاطلاع على مذكراتها الروحية استنارت أعماق نفسها وانجلى كلّ غموض. ثم ان ما شهد به الناس بعد وفاتها من أقوال وأفعال جاء مطابقاً لما كانت قد عرفته عنها أخواتها. وبفضل هذا النور الجديد، اكتسبت مجموعة تلك الشهادات معناها الصحيح.. فالمحبة روح القداسة التي دعي اليها الجميع: "انها توجّه جميع وسائل القداسة وتعطيها روحها، وتقودها الى غايتها". (كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية - ص 826).

وأدركت الأم حنّة أن فلسفة ذلك السلوك تنبع من حياتها الروحيّة الراسخة ومن اتحادها الوثيق المستمر بيسوع وأمه القديسة. وخطر في بالها في نهاية المطاف سؤال جدير بالدراسة والتقييم وهو: “ماذا كان بعد ينقص أختها لتحقيق الكمال الإنجيلي ولتبلغ قمة القداسة؟”.

 

وقد وجدت قطعة بالية من الورق سجلّت عليها الفقيدة بعض عبارات روحيّة هي الدرر الفريدة. ولما أمعن في قراءتها تبيّن أنها وصف رائع للمبادئ الأصيلة التي اعتنقتها الأم ماري ألفونسين طيلة حياتها فكانت كأنها تصوّر ذاتها بقلمها دون ان تشعر. وها كم بعض هذه العبارات: "يا يسوع دعني أهيم في حبّك". "الحبّ قوي كالموت. الحبّ يجعلنا نقدّر الفقر ونصبر على الجوع والبرد ونسرّ بالإهانة ونرضى بالمرض ونقاوم التجربة ونحتمل الاضطهاد. الحبّ يحثنا على مساعدة القريب في جميع احتياجاته" "من يعش من الحبّ، فلا يترك واجباته التقوية وقت الجفاف الروحي بل يستطيع أن يقول مع الرسول: من يفصلنا عن محبة المسيح؟" (رومية8: 35). "يالتعزية النفس التي تجتذب قلوب الآخرين الى محبة الله!".

 

“في محبّة يسوع ومريم توجد السعادة والسلام والفرح الحقيقي ولاسيما الصبر والشجاعة والثبات”. “يجب ان نملك فضيلة عظيمة لكي نعطي منها للآخرين”. “الكفر بالذات يجلب النعم العظيمة كالرغبة في الصلاة المستمرّة، ووداعة القلب والفرح الداخلي والإتضاع الحقيقي والاقتداء بمعلمنا الإلهي الذي عاش في الأماكن التي نعيش فيها” الحمد لله على هذه النعم التي لا نستحقها والتي لم تعط لنا لمنفعة شخصيّة بل لاشراك الآخرين فيها. يجب أن نسعى الى القداسة وأن نجذب اليها كلّ اخوتنا في المسيح...”. (ز.م. ص201-202).

 

في مخطوطي مذكراتها كانت رغبتها الأولى ان تعمل دائماً وتتحرك باستقامة وصدق امام الله، وكانت تقول للفتيات الراغبات في اعتناق الحياة الرهبانيّة: “اذا أردت ان تكوني راهبة ابتدئي بمحبة الله قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء، والعذراء مريم والدته”.

 

عبرت عن محبتها لله بالصلاة. فكانت تصعدها حبّاً بالله وعرفان الجميل واعترافاً بعجزها عن الإستفادة من المراحم الإلهية ونعم البتول. وهذا الابتهال الذي كان يتحرك به قلبها ولسانها: “يا ربّ ان كنت تجود بتعزيات كهذه عل خطأة لا يفتشون عنك، فما عسى أن تكون محبتك لاصدقائك وأصفيائك؟”. (مخطوط أول ص 25). ايمانها بالله الخالق كان يظهر في اتحادها المتواصل مع الله، والاختطافات والظهورات الكثيرة التي منّت بها عليها أمنا سيدة الوردية. فكنت تراها في الكنيسة راكعة ساذجة عميقة في صلاتها.صلاة بنوية متواصلة وهي جاثية شاخصة الى الهيكل والقربان بهيئة محتشمة ويديها تحملان السبحة وشفتيها تسبح الله باجمل صلاة. وكانت الصلاة فيها "طبيعة ثانية". كانت تجسّد اتحادها بالله بالصمت والصلاة الطويلة حتى انها كانت تحضر خمسة عشر قداساً وعشرين قداساً متتالياً في بيت لحم أو كنيسة القيامة في مناسبات الأعياد. كانت تواظب على ممارسة رياضة درب الصليب، واقامة التساعيات للحصول على نعم خاصة، وعبادتها للقربان الأقدس وسرّ الافخارستيا، وقلب يسوع والسيدة العذراء. كلّ هذه العبادات والجوّ السماوي الداخلي الذي عاشته الأم ماري ألفونسين، جعلها تتميز عن غيرها بالهدوء والاطمئنان النفسي، وهكذا تشعّ النور في وجهها وعلى من حولها. كان ايمانها حياً عميقاً ثابتاً وباستطاعتنا القول انها راهبة صالحة عاشت في الإيمان وعبرّت عن هذا الإيمان في جميع ظروف حياتها، في الصلاة الدائمة، في العمل المتواصل مع الايتام والاخويات وفي المنزل وفي جميع علاقاتها مع الآخرين. وكثيراً ما سمعت من الراهبات القول التالي: "انها تعيش مع الله لانها تعيش في الإيمان والمسبحة والتامل في اسرارها" فهي كانت تصلي دائماً وتصلي جيداً. وهل أجمل من صلاة الوردية! والتامل بحياة السيّد المسيح من المهد الى القيامة! والذي يقترب منها كان يشعر انها ملآنة من روح الله، اذ كانت تكلّم الجميع عن الله وحبه لنا. كما وضح لنا في الصلوات التي وجدت في قطعة الورقة البالية بعد وفاتها كما مرّ معنا. وفي نصّ وصيّتها التي تنمّ عن سذاجتها ونقاوتها واتحادها التام بالله واستسلامها الكلّي للارادة الإلهية.

 

محبتها لله جعلتها ترى بنور الإيمان وفائق المحبة، الحالة النفسية للأشخاص الذين تصلي لأجلهم، وتعرف ماذا سيطرأ على حياتهم من أمور. كما وشعرت بقوّة داخلية مكنتها من ممارسة الأعمال الصالحة وتحمّل الألم حباً بالله وقد عبّرت عن شكرها لله بقولها: “ليت شعري، من أين حدثت لي هذه الحالة إلاّ منك يا الهي، يا من غيرتني، فلك الحمد دائماً”. (مخطوط أول ص 28).

 

عاشت الأم ماري ألفونسين غارقة بجوّ من القداسة، كيف لا وقد ظهرت لها العذراء مريم وخاطبتها عدة مرات مؤكدة لها أنه يجب تأسيس رهبنة الورديّة وشجعتها، لا بل أمرتها، أن تذهب الى المسؤولين بشخص غبطة البطريرك لتخبره برغبة العذراء ليس هذا فحسب بل تشرح لها الأم البتول ماذا تعمل. وبما أن القديس يوسف رافق العذراء في أفراحها وأحزانها وامجادها، فقد ظهر هو ايضاً للأم ماري ألفونسين وقال:أريد ان تعملي من رهبنتي رهبنة جديدة أي رهبنة الوردية كما طلبت العذراء مريم”. (مخطوط أول ص 32). وهكذا نرى ان الأم الفونسين كانت تسير بقيادة الروح والحقّ، فكافأتها الأم البتول بظهوراتها المتتالية كما شاهدنا ذلك في مخطوط الظهورات المدوّن بخطّ يدها. فاثبتت أن العذراء اختطفت افكارها من الساعة التاسعة صباحاً حتى الواحدة بعد الظهر(الظهور الأول) (مخطوط أول ص 5).وهي غرقى بالسعادة والحبّ مع أمها العذراء التي سمّتها سيّدة الوردية. تكلّمها العذراء وتطلب منها ان تبدأ الرهبنة الوردية. لذلك عندما سمعت هذه الكلمات الحلوة على قلبها، سالت الدموع من مقلتيها وأصبحت كأنها في فردوس سماوي. وأكثر من ذلك أكدت لها امنا العذراء ان هذه الرهبنة ستدوم الى الأبد وتنجح كثيراً بالعمل الرسولي. كما وأن العذراء كافأتها ايضاً عندما اضطهدها معرّفها الأب ليزيسكي البولوني في بيت لحم بما عانت ولقيت من استخفاف وعقاب وحرمان من عزاء نفسها الاوحد أي القربان المقدّس اليومي. غير أن هذه النفس السامية امتثلت أوامر المسؤولين بدقة وطاعة سامية. لذلك استحقت بركة العذراء بالمناولة اليومية التي جعلت نفسها تمتلىء لطفا وحلاوة لا توصفان. طالت مدّة حرمانها المناولة سنة كاملة الى أن عدل كاهن الرعية عن معاملته هذه ورجعت تتناول كالعادة يومياً فالمحبة روح القداسة التي دعي اليها الجميع: “انها[1] المحبة توجه جميع وسائل القداسة وتعطيها روحها، وتقودها الى غايتها”.

 

نهجت الأم ماري ألفونسين نهج معلّمها الإلهي في حمل صليبها اليومي بشجاعة وصبر ومحبّة. فهي كلّما أرادت أن تباشر مشروعاً كانت تنفرد للصلاة المقرونة بالإماتة والصوم والتقشف كي تعمل وفقاً لارادته القدوسة. وبالفعل كانت ارادة الله هدفها الأوحد، وكما قلنا ان ارادة الله كانت هي المحرّك الأول لكلّ شيء، في تلبية أوامر الرؤساء وانتقالها من ارسالية الى أخرى متوخية دوماً الخير الروحي ومجد الله في عملها الرسولي مع طالبات المدارس والسيدات، وتأسيس الاخويات، وتعليمهنّ صلاة الوردية، وصايا الله والكنيسة والأسرار الإلهية وكيفية حضور القداس الإلهي وقبول سرّ الاعتراف والتناول، والابتعاد عن الشعوذات والخرافات والعادات والتقاليد البالية المنافية للدين وللأخلاق. فأمام غيرتها الرسولية المتّقدة والصادقة والمخلصة كانت مطاعة من الجميع ومحبوبة وقدوة صالحة لكلّ من اقترب منها لذلك كان الجميع يشعر بحضورها الرهباني وتشجيعها الروحي والإنساني والاخلاقي لهم لأنها كانت شديدة الحساسيّة تجاه معاناة الآخرين وآلامهم، وحاجاتهم المادية والروحية والمعنوية. فجذبت اليها الجميع بلطفها ووداعتها ومحبتها. أما صلاتها فكانت دائماً بسيطة ومعبّرة عن قلبها المليء بالمحبة والتقوى كما يبدو في النشيد الذي الفته الأم ماري الفونسين، ولحنّ موسيقى الأبيات السيد أغسطين الأعمى الموسيقار الشهير في القدس واحتفظ بموسيقى اللازمة للأم الفونسين:

 

 

 

          اللازمة:                أعـطـفـي نظـرك علـيّ               يـا سـلطـانـة الـورديـة.

                                     اسـمك حلو على قلبـــي               ورديّتــك فـرض علـيّ.

 

                           لا تخــافـوا يـا حـزانـى           ان مريـم هـي رجـانـــا.

                             ابنـهـا سـاكـن معـانــا           علـى مذابحـنا العـليّــــة.

                                   زوري قلـبي وافتـديـــني          مـن مـراحمـك غـذيـنـي.

                             سـاعة موتـي ساعدينـــي         يـا بريئـة مـن الخـطيئــة.

                           بـابـك مفتـوح دائـــم               لمـن كـان بالإثـم عائـــم.

                                   إبــنــك  آت  ونـــادم             تـائـبــاً عــن الخـطيئـة.

كلمات الأم ماري الفونسين

مؤسّسة رهبانيّة الوردية الأورشليمية

القدس سنة 1885

 


 

[1] كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية – ص826.

 
     
 

 

 
 

ملف الطوباوية ماري الفونسين